recent
أخبار ساخنة

تحليل قصيدة في الليل... بدر شاكر السياب


 تحليل قصيدة في الليل... بدر شاكر السياب

 

    I.            تقديم:

نشأت حركة تكسير البنية في ظل التحولات الثقافية والاجتماعية، التي شملت مواجهة الاستعمار، وضياع فلسطين، وانبثاق حركات التحرر الوطنية والقومية، وصعود المد الاشتراكي ، وبداية انهيار أسس المجتمع التقليدي. وقد تميز هذا الاتجاه على مستوى الوسائل الفنية بتجاوز شكل القصيدة العربية القديمة، فقد تم استبدال نظام الشطرين بنظام السطر الشعري. إضافة إلى تحقيق الوحدة العضوية والموضوعية للقصيدة باعتماد التفعيلة أساسا للوزن وتنويع القافية والروي واعتماد المقاطع. هذا إلى جانب شحن اللغة وألفاظها بدلالات وأبعاد تخرج عن المألوف باستعمال الانزياح والبعد الدلالي والتركيبي، وتوظيف أدوات فنية جديدة تعتمد الرمز والأسطورة. علاوة على اعتماد التدوير. أما على مستوى المحتوي فقد عمل الشعراء على التحرر من الموضوعات والأغراض التقليدية من أجل التعبير عن تجارب تلتحم فيها الذات بالجماعة، والتعبير عن تجربة الغربة والضياع، وتصوير تجربة الحياة والموت، والتفاعل مع التراث الإنساني. ومثل هذا الاتجاه عدة شعراء منهم نازك الملائكة وصلاح عبد الصبور وسميح القاسم وغيرهم. ويعد بدر شاكر السياب من رواد الشعر العربي الحديث.

فما هي أهم الخصائص الفنية والأسلوبية والإيقاعية التي اعتمدها الشاعر؟ وإلى أي حد تمكن الشاعر من تمثيل هذه الحركة شكلا ومضمونا؟

 

II.            ملاحظة النص:

 

    العنوان "في الليل" من الناحية التركيبية مكون من شبه جملة من الجار والمجرور، أما من الناحية الدلالية "في" يدل على المكان، و"الليل" رمز السكون والصمت والظلام والعزلة، فهو بذلك يوحي إلى تجربة الشاعر التي يتخللها الخوف والهم والحزن...

    تؤكد بداية القصيدة على المنحنى السلبي والمأساوي للنص( الغرفة موصدة، والصمت عميق...)، حيث يخبرنا الشاعر بأن باب الغرفة مغلق، مما يعبر عن المعاناة والقهروالوحدة. ومن خلال ذلك نفترض أن القصيدة تمثل اتجاه تكسير البنية، و أن الشاعر سيعمل على إبراز معاناته وحزنه في الليل بسبب الأرق الذي يعيشه بفعل المرض.

III.            الفهم:

    تعبر القصيدة عن التجربة الذاتية للشاعر من خلال إبراز معاناته وحزنه نتيجة مرضه. ويمكن تقسيم هذه المضامين إلى الوحدات التالية:

·        الوحدة الأولى:(من 1 إلى 12): وصف الشاعر لغرفته الموصدة وإبرازه حالة الحزن والعزلة والخوف التي يعيشها في هذه الغرفة المظلمة.

·        الوحدة الثانية: (من 13 إلى 32): زيارة الشاعر المفترضة الوهمية للعالم الآخر، وملاقاة أمه التي تدعوه إلى اللحاق بها  .

·        الوحدة الثالثة: (من 33 إلى 34): يأس الشاعر واستسلامه للمصير الذي يعيشه وتطلعه لملاقاة أمه.

 

 

IV.            التحليل:

   ولإبراز هذه المضامين استعان الشاعر بمعجم يتوزع إلى حقلين دلاليين: الأول يرتبط بالموت:(الصمت، موصدة،الصمت عميق، يتنصت لي، سود، ذاك الموت، المقبرة الثكلى، خروب المقبرة، البس من كفني، لحدي...) والثاني يدل على الحياة:(نفسا، سريت، سآخذ دربي، أسير...). نلاحظ هيمنة الحقل الدال على الموت، وتجمع بين هذين الحقلين علاقة تنافر وتضاد، فالأول يمثل نهاية مشوار الشاعر في الحياة حين يقرر اللحاق بأمه في القبر معتبرا الموت حلا مناسبا لمعاناته مع المرض.

    أما فيما يخص الجانب الإيقاعي، فقد عمل الشاعر من ناحية الإيقاع الخارجي على تجاوز نظام الشطرين الذي يتأسس على وحدة البيت والقافية والروي، واستبداله بنظام الأسطر الذي يعتمد على التفعيلة. ويمكن تبيان ذلك من خلال كتابة الأسطر الأولى كتابة عروضية، حيث اعتمد الشاعر تفعيلة بحر المتدارك (فاعلن)، كما جعل تفاعيل  الأسطر الشعرية تتفاوت بحسب دفقته الشعورية وتجربته الخاصة، فهي مرة تفعيلة واحدة كما في السطر الرابع، وآخرى تفعيلتان أو ثلاث تفاعيل... و اعتمد التدوير في السطرين الخامس والسادس، وجاءت القافية والروي متنوعتان، فالأولى مطلقة رويها متحرك في الأسطر (15 -  20..)، ومقيدة رويها ساكن في أسطر أخرى ( 4 - 8 ..)، كما نوع في الروي (القاف، الدال، الباء، النون، الميم ) وجميعها أصوات مرتبطة بالمعاناة والأسى واليأس من الحياة في انتظار الموت.

     وفيما يتعلق بالإيقاع الداخلي للنص، فتميز بتكرار عدة حروف  أهمها روي القصيدة (القاف والدال والباء...) التي تعكس شدة معاناة الشاعر وجهره بها، كما تكررت عدة حروف مهموسة (كالهاء والسين والصاد ...) تعكس الجو النفسي المتأزم للشاعر وحالة الضعف والمرض والانكسار التي يوجد عليها في غرفته الموصدة ليلا. ولم يقتصر التكرار عند الحروف، بل تشكل أيضا في بعض الكلمات مثل (الباب ، والصمت....)، وعبارة (الصمت عميق).وهذا التكرار خلق على مستوى البنية الإيقاعية للنص موسيقى تنسجم والمعاناة التي يعيشها السياب، لتسهيل نقل أثر هذه المعاناة إلى المتلقي..

  

  وإذا انتقلنا إلى الناحية الفنية نجد أن الشاعر استند على بعض الصور الشعرية من البلاغة العربية القديمة اعتمادا على التشبيه مثل (وأثوابي كمفزع بستان)، حيث شبه أثوابه بالفزاعة التي توضع في البساتين لإخافة الطيور على سبيل تشبيه محسوس بمحسوس، وكذلك الاستعارة كما في قوله (أعطاها الباب المرصود نفسا) حيث حذف المشبه به(الروح) وأبقي على أحد لوازمه (النفس) على سبيل الاستعارة المكنية، وكذلك الشأن في (من صدر الأرض) كاستعارة مكنية أيضا، وكلها صور تقوم بوظيفة تعبيرية إبلاغية في النص. كما وظف السياب الانزياح (رب طريق يتنصت لي) فقد اسند الشاعر فعل الانصات الى الطريق خارقا بذلك افق انتظار المتلقي, وخلق علاقات جديدة بين الكلمات تخرق المألوف في سبكها.

    أما الأساليب فيمكن أن نميز فيها بين أسلوبين: خبري وإنشائي، فالسياب يستعمل الأول للإخبار عن معاناته وتصوير واقعه المزري، والغربة التي يعيشها في المكان والزمان والموت (الغرفة موصدة الباب، ستائر شباكي مرخاة..)، وهي كلها جمل خالية من التوكيد، لأن الشاعر يعتقد بخلو ذهن المخاطب ليخبره بمعلومات جديدة. أما الأساليب الإنشائية فترتبط بانفعالات الشاعر، غلب عليها الإنشاء الطلبي المتمثل في الاستفهام (من دون رفيق؟ خروب المقبرة الصادي؟ ألا ترمي أثوابك؟) وهي استفهامات تفيد الالتماس واليأس.

 

 

 

V.            تركيب:

              تأسيسا على ما سبق يمكن اعتبار هذه القصيدة من القصائد المتميزة التي عبر من خلالها الشاعر العراقي بدر شاكر السياب عن تجربته الذاتية  من خلال إبرازه معاناته وحزنه و وحدته نتيجة مرضه معتمدا في ذلك نظام السطر الشعر متخليا عن نظام الشطرين وعن القيود التي لطالما رآها الشاعر المعاصر تكبله وتحده من الابداع والتعبير وإذا كان الشاعر جدد من حيث الشكل والمضمون فإنه أيضا جدد من حيث الصور والأساليب الفنية إذ اعتمد على ظاهرة الانزياحات التي جعلت تجربة الشاعر متفردة وجعلت شعره يلامس همومه ومعاناته مع المرض مما يجعلنا نقول عن نصه هذا نموذج متميز لحركة متميزة هي حركة تكسير البنية التي خلخلت وكسرت كل القيود لتتربع على عرش الشعر العربي.

author-img
مدونة مثابر للتربية والتعليم،دروس،تلخيص للمقررات، مراجعة ودعم، كل ما له علاقة بالديداكتيك والبيداغوجيات التربوية،تمارين،امتحانات جهوية و وطنية...

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent