نص حركة الشعر الحر... نازك الملائكة
v
مقدمة:
منذ نهاية القرن التاسع عشر، بدأ الشعر العربي يبحث عن بدائل شعرية جديدة تسمح له بالانخراط في عصره والتفاعل مع قضاياه ومشاكله ، وإن ظلت أهم تجديداته متصلة بالموضوعات، دون الخروج عن شكل القصيدة التقليدي، ومع النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي أخذت النهضة الأدبية في الشعر العربي الحديث تتبلور في اتجاهات فنية محددة بلغت ذروتها خلال منتصف القرن العشرين. وعلى يد روّاد هذه الاتجاهات، بدأ التجديد في القصيدة الحديثة يتجاوز المعاني والصور والأفكار إلى تجارب فنية تتصل بالشكل، وبدأت محاولات الشعر الحر /الحديث تكتسح الساحة الشعرية بفعل تضافر مجموعة من العوامل كان من أهمها اتصال الشعراء بحضارة العصر بسبب انتشار التعليم الحديث،واستفادة بعض المتعلمين العرب من البعثات العلمية ،فضلا عن انتشار الترجمة وازدهار الطباعة والصحافة ،وأدت هذه العوامل الفكرية وأخرى تاريخية ترتبط بنكبة فلسطين و انتهاء الحرب العالمية الثانية وما أحدثته من دمار نفسي وسياسي واجتماعي ،إلى أن يسهم الشاعر في تحرير الإنسان من حضارة مادية تهدد القيم الأخلاقية وغيرها ، كما أدت إلى استيقاظ الوعي العربي، وتحفزه لمواجهة مرحلة شديدة الصعوبة من تاريخه الحديث غايتها التحرر من الاستعمار،والثورة على الظلم والفقر،وقوى من هذه الرغبة في المواجهة انتماء كثير من المثقفين العرب إلى تيارات ومذاهب سياسية وفكرية نتيجة الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي ، مما هيأ لأفكار جديدة، نتج عنها ظهور شعر جديد يدعو إلى الحب والسلام وشيوع ثقافة الالتزام الفكري والسياسي ، شعر تأثر رواده بالشعر الغربي ،وبالأخص شعر (ت.س.إليوت) في قصيدته (الأرض الخراب) بوصفها تعبيراً عن بؤس العالم المعاصر الذي طحنته الحرب العالمية الأولى، وتدعم هذا التأثر بميل الشعراء العرب إلى الفلسفة الواقعية التي مكنت الشعر العربي من تجاوز الرومانسية التي أعلت من قيمة الفرد إلى الواقعية التي عبرت عن القضايا الموضوعية ،والواقع المعيش.
ظهر إذن – بفعل هذه العوامل مجتمعة - نمط شعري جديد يقوم على الوحدة العضوية،و لم يعد فيه البيت هو الوحدة وإنما القصيدة كلها ، ويزاوج الشكل والمضمون ، فالبحر والقافية والتفعيلة والصياغة وضعت كلها في خدمة الموضوع وبات لزاما على الشاعر الاستغناء عن التشبيهات والاستعارات والاعتماد على الصورة المركبة عبر الإفادة من الأساطير والحكايات الشعبية بإدخال رموزها في القصيدة ،وعبر تناوله لقضايا الحضارة المعاصرة ذات البعد السياسي والإيديولوجي ،ويرى معظم مؤرخي الأدب العربي الحديث أن ريادة هذه الحركة تعود إلى نازك الملائكة التي نشرت قصيدتها(الكوليرا)عام 1947م،وبدر شاكر السياب الذي نشر قصيدته(هل كان حبا؟!)في نفس السنة ، ثم انتشرت الحركة التجديدية لاحقا في مصر عند شعراء أمثال صلاح عبد الصبور وعبد الوهاب البياتي. وإذا كان النقاد والدارسون قد اختلفوا في تسميته من شعر حر إلى شعر التفعيلة إلى الشعر الحديث...
v ثانيا: ملاحظة النص + الفرضية + الإشكالية
§ قراءة العنوان
فإن نازك الملائكة اختارت تسمية هذا الشكل الجديد "الشعر الحر" كما يدل على عنوان هذا النص (حركة الشعر الحر)،و في الحقل الأدبي يعني مصطلح "الحركة" جهدا أدبيا تقوم به جماعة من الأدباء أو النقاد من أجل تحقيق غاية أو هدف مشترك يتجه نحو تعديل أو تغيير عدد من المواقف الأدبية، أو النقدية، أو الثقافية. ولعل هذا ما سيكون علينا البرهنة عليه أثنا ء دراسة نص نازك الملائكة، ولتحليل هذا النص سنركز على المطالب التحليلية التالية: إشكالية النص – عناصر الإشكالية – الحجاج في النص – المفاهيم والمصطلحات النقدية والأدبية في النص – منهجية النص – لغة النص ،وأخيرا سنقوم بتجميع نتائج التحليل لمناقشة موقف الكاتبة من حركة الشعر الحر.
v ثالثا :الفهم
§ إشكالية النص:
تنطلق الكاتبة في هذا النص من تصور إشكالي يرى أن خروج الشاعر الحديث عن الأوزان القديمة،وبحثه عن شكل ومضمون جديدين للقصيدة كان بفعل عوامل متعددة أهمها الانطباع الذي تولد لديه اتجاه أسلوب الشطرين حيث وجده متعارضا مع رغبته الواقعية،ويقيد حريته في بناء القصيدة ،بل وجد الأوزان القديمة تبدد طاقته الفكرية وتحد من حرية تعبيره.
§ عناصر الإشكالية:
واعتمادا على هذا التصور حاولت الكاتبة إبراز أن الشعر الحر غايته التعبير لا الجمالية الظاهرة المفرطة،وأن الشاعر الحديث يرفض التقيد بنموذج ثابت ،لذلك كان عليه أن يثبت فرديته باختطاط سبيل شعري معاصر يناسب شخصيته المعاصرة التي ترى في النموذج الثابت قالبا جاهزا مفروضا سلفا يحد من حريته ويعيق انطلاقه في الإبداع والتفكير،فنظام الشطرين بناء هندسي صارم يتدخل في طول العبارة ويقيد الشاعر بطول محدد للأشطر الشعرية وبجمالية ظاهرية صارمة ، وبرتابة مملة تناقض طبيعة الحياة نفسها ،فالحياة لا تسير على نمط واحد ، ولا تتقيد ببنية ثابتة ، وعلى الشعر أن يساير هذه الطبيعة المتغيرة للحياة ، إذ لا يعقل أن يكون الموضوع متحولا بينما الشعر الذي يتحدث عنه جامد يرفض التغيير،فلا يستطيع فهم المتغير وكشف خباياه وجوهره إلا متغير مثله ، وبالمقابل فإن الطبيعة الثابتة للقصيدة الشطرية كانت تفرض على المادة التي يعالجها الشاعر مسافة ثابتة ومتناسقة بحكم العلاقة الخفية القائمة بين الشكل والمضمون ،ونتيجة لهذه العلاقة التزم الشاعر بوحدة البيت والقافية والروي ،وأصبح التضمين عيبا فادحا يحسب على الشعراء ويعد من عيوب الشعر.إن هذه البنية الثابتة في الشكل والمضمون مخالفة لطبيعة الشاعر المعاصر التواقة إلى الحرية،والراغبة في تحطيم القيود والانخراط الكلي في الحياة الفكرية والروحية للعصر،وتستنتج الكاتبة من كل ذلك أن حركة الشعر الحر لم تكن إلا استجابة فعلية للرغبة في تحطيم النموذج وجعل الشعر يسير على نمط الحياة المخالف لكل القيود والثوابت بل ولطبيعة اللغة نفسها التي لا تتبع أي نموذج باعتبار طبيعتها المتغيرة باستمرار ،ولم يعمل الشاعر المعاصر إلا على التواجد حيث يوجد المعنى والتعبير، وإجمالا فإن الكاتبة ترى أن الشعر الحر لم يأت إلا استجابة لطبيعة الحياة واللغة المتغيرين ،وأن هذه الاستجابة جعلت الشعر المعاصر منسجما مع موضوعه المتغير(الحياة) ووسيلته المتغيرة(اللغة)وقوضت فكرة النموذج لأنها منافية لطبيعة الشعر والشاعر وروح العصر.
v رابعا: التحليل
§ المفاهيم والمصطلحات:
وقد كان لزاما على الكاتبة، وهي تحاول عرض وجهة نظرها في الشعر الحر والانتصار لموقفها منه أن تستعين بمجموعة من المفاهيم والمصطلحات الواصفة لتصورها من قبيل : الشعر الحر ـ الأوزان الحرة ـ الأجواء الرومانسية ـ الحقيقة الواقعية ـ القيود ـ الأوزان القديمة ـ القافية الموحدة ـ النموذج ـ القصيدة الشطرية ـ هياكل شعرية معقدة ـ أسلوب الشطرين ـ أسلوب التفعيلة ... والملاحظ أن هذه المصطلحات تمزج بين المفاهيم النقدية التقليدية الواصفة للشعر النموذج (الوزن ، القافية ، الشطر ، القصيدة الشطرية...) ،ومفاهيم واصفة للشعر الحر (الحقيقة الواقعية ، أسلوب التفعيلة ، الحرية....) وقد جاء توظيف الكاتبة لها على سبيل المقارنة بين الشعر التقليدي القائم على الثبات في الشكل والمضمون وعقلية ناظمه والشعر الحر القائم على الحركة والتغيير المستور في القصيدة مضمونا ولغة وفي عقلية مبدعهاـ
§ عناصر الاستدلال في النص:
وللإقناع بهذا التصور النظري لطبيعة الشعر الحر المناهضة لكل نموذج أو شكل ثابت توسلت الكاتبة بوسائل حجاجية متنوعة نستطيع تبين أهمها كما يلي:
- اعتماد الكاتبة على أسلوب المقارنة والاستنتاج كوسيلة حجاجية ، وذلك من خلال التقابلات التي أوردتها للتمييز بين نمط شعري قديم يقوم على المحافظة والثبات في الشكل والمضمون ، كما يقوم على الجمالية المفرطة ويلتزم بنموذج لا يحيد عنه ونمط شعري يرفض القيود والخضوع للنموذج لأن الشاعر الذي يبدعه ميال إلى الحرية والمعنى وليس للجمالية الظاهرة،فضلا عن مقارنتها بين الأجواء الرومانسية الرخوة والواقعية التي تنشد جو الحقيقة الواقعية.
- اعتماد الكاتبة على الشرح والتفسير بغاية توضيح الأفكار وجعل ذهن المتلقي قادرا على فهمها واستيعابها ومن تم الاقتناع بها كما فعلت ذلك الكاتبة في معظم فقرات النص.
- اعتماد الكاتبة على أدوات التوكيد (إن ـ قد....) والروابط المنطقية (إذا كانت....فإن ـ غير أن....).
- الاشتغال على الأطروحة (خروج الشعر الحر عن كل ما هو نموذج) ،ونقيض الأطروحة (قيام الشعر التقليدي على بنية ثابتة في الشكل والمضمون) والاستنتاج من ذلك أن الثبات مخالف لطبيعة الحياة واللغة ولذلك جاءت حركة الشعر الحر لتتجاوب مع الطبيعة المتغيرة للحياة واللغة.
- الاعتماد على التعريف كوسيلة حجاجية كما فعلت خلال تعريفها للنموذج(أقصد بالنموذج اتخاذ شيء ما وحدة ثابتة وتكرارها بدل تغييرها وتنويعها)
§ منهجية النص:
من حيث المنهجية فقد اعتمدت الكاتبة طريقة استنباطية في عرض أفكار النص تدرجت فيها من العام إلى الخاص ، فالخاص في النص هو مقارنة الكاتبة بين الشعر التقليدي وخصائصه الفنية القائمة على الثبات في الوزن والروي والقافية وطبيعته الغنائية وجماليته المفرطة وبنائه الهندسي الصارم القائم على الرصانة والتزويق والأشطر المتساوية ،وبين الشعر الحر الذي يجعل الأسبقية للتعبير والمعنى لأنه مرتبط في جوهره بمشكلات العصر وقضاياه ولا وقت له لترف القافية والوزن ...أما الخاص فهو ما خلصت إليه الكاتبة في نهاية النص من خلال تأكيدها أن الشعر الحر جاء ليصالح الشعر مع الواقع واللغة،وظهوره كان استجابة لطبيعة الشاعر المعاصر الميالة إلى الحركة ،فموضوع الشعر هو الحياة ،وهي بطبيعتها متغيرة ،ووسيلة الشعر في التعبير عن موضوعه هي اللغة وهي بطبيعتها متغيرة ،ومن كان موضوعه ووسيلته التعبيرية وعقلية مبدعه متغيرة وجب أن يكون هو الآخر متغيرا.
§ لغة النص:
أما على مستوى لغة النص فقد جاءت تقريرية حجاجية، تميزت بالوضوح في العبارة والبساطة في التعبير لأن مقصدية النص هي الإقناع عبر إيصال الأفكار واضحة ومفهومة إلى ذهن المتلقي حتى يمكنه فهمها واستيعابها والاقتناع بها ، كما هيمن على لغة النص الأسلوب الخبري الذي يتماشى مع طبيعته الحجاجية التفسيرية.
v خامسا: التركيب والتقويم
يتبين من خلا تحليلنا لهذا النص أن الكاتبة سعت إلى إبراز مبررات ظهور حركة الشعر وقسمتها إلى عوامل موضوعية ترتبط بطبيعة الشعر الثابتة في الشكل والمضمون،والمفرطة في الغنائية والجمالية الظاهرية ورصانة الشكل الهندسي وقيام القصيدة الشطرية على نظام صارم يجعل وحدة البيت والوزن والقافية والروي قيدا يبدد طاقة الشاعر المعاصر الفكرية ويفرض عليه ترفا لا وقت له للقيام به،وعوامل ذاتية ترتبط بطبيعة الشاعر المعاصر الميالة إلى الحركة والرافضة للنموذج في الشعر والحياة، ورغبته في إثبات فرديته عبر إبداع شكل شعري جديد يتماشى والواقع ، ويتجاوز الأجواء الرومانسية الرخوة لينخرط في التجاوب مع حاجات العصر ومشكلاته، وبالتالي فإن الأوزان الحرة ربطت الشعر الحر بالحياة واللغة المتغيرين بطبيعتهما وجعلته منسجما مع انفتاح الشاعر المعاصر على قضايا واقعه ومشكلات عصره.
وفي تقديري فإن ما ذهبت إليه الكاتبة يعبر عن قناعة فكرية أجد نفسي متفقا معها جوهريا لأن ظهور الشعر الحر شكل نقلة نوعية في مسار الشعر العربي جعلته يحول القصيدة إلى سلاح فعال لمواجهة وضع اجتماعي وتاريخي ونفسي وحضاري مشحون بتوالي الهزائم والنكبات والنكسات وما خلفته في الذات العربية من جراح عميقة جعلت روح الشك تهيمن على النفوس وهي مواجهة اقتضت تحويل القصيدة إلى صوت من لا صوت له ، والشاعر إلى جندي مناضل ملتزم بقضايا الجماهير التواقة إلى التحرر والانعتاق والحداثة ، ولم تكن من وسيلة لإنجاز هذه المهمة الحضارية إلا ابتداع سبيل شعري يسمح للشاعر بالبوح بكل ما يشكل فضحا للواقع والذات وتعرية لهما، واستشرافا للمستقبل ، ولم تكن هذه الوسيلة الفنية المستجيبة لطموح الشاعر المعاصر إلا الشعر الحر.