I. التقديم:
بزغ فجر جديد للشعر في نهاية القرن 19 مع مدرسة البعث والإحياء كفعل مضاد لرقدة الشعر في عصر الانحطاط ، إذ شاع الإسفاف والتصنع والتكلف ، والإغراق في المحسنات البديعية. فجاءت هذه المدرسة لإحيائه من جديد، باستلهام النماذج الشعرية القديمة (الشعر الجاهلي والشعر الغباسي على وجه الخصوص) على يد شعراء كبار لا يشق لهم غبار أمثال محود سامي البارودي أحمد شوقي، وبموازة ذلك ظهر نقاد مواكبون لهذه الحركة مثل عمر الدسوقي، والكاتب المغربي محمد الكتاني صاحب النص الذي بين أيدينا. فما القضية التي يعالجها النص، وما الطرائق التي اعتمدها لأجل ذلك؟ وإلى أي حد وفق في بيان خصائص التجاه الإحيائي ؟
II. الملاحظة:
1- عنوان النص:
بإلقائنا نظرة على النص يتضح أنه يتركب من كلمات ثلاث(انبعاث) خبر لمبتدإ محذوف تقديره هو وهو مضاف الشعر مضاف إليه والعربي نعت له. وتدل الأولى على العودة إلى الحياة بعد الموت،والثانية على كلام موزون مقفى ذي معنى، فيما تدل الثانية على الشعر المراد إحياؤه وهو شعر العرب
2- بداية النص ونهايته :
تؤشر بداية النص على نزوع الحركة الإحيائية إلى مذاهب الشعراء القدماء في سعيها لبعث الشعر فيما أشرت نهايته على السياق العام الذي أتت فيه الحركة وهو النهضة القومية الشاملة
3- فرضية النص:
1- انطلاقا من المؤشرات السابقة (العنوان بداية النص ونهايته، وشكله الطباعي يمكننا أن نفترض أن النص نص نظري سيتناول قضية بعث الشعر بالمعاجة والتحليل.
III. الفهم:
1- قضية النص:
-يعالج النص قضية أدبية محضة وتتجلى في انبعاث الشعر العربي والعودة به إلى ألقه وتوهجه المعهود عنه في الفترات السابقة، وقد جزأ الكاتب هذه القضية إلى عناصر، حيث اعتبر أن النكسة العربية على المستوى السياسي،إبان تلك الفترة ، هي السبب الأبرز في اضمحلال الشعر وضعف المعاني فيه ، ونضوب ماء العاطفة والوجدان منه ،واختفاء النزعة الذاتية المميزة لكل شاعر، مما أدى إلى انتشار العجمة والعي على ألسنة الناس، وانحراف السلائق ،وهذا ما جعل بعثه أمرا ملحا وذلك بالعودة إلى النماذج الشعرية القديمة التي بلغت درجة الكمال والقوة . والنسج على منوالها، دون أن يغفل ما سبق المدرسة الإحياية من إرهاصات ذلك.والتي تمثلت في قصائد شعراء مثل الساعاتي وناصيف اليازجي ... دون أن يغفل الحديث عن خصائص الاتجاه الإحيائي إذ عمد رواده البارودي خاصة، على تصحيح مفهوم الشعر فاعتبره فيضا من وجدان وتألق من خيال،غايته تهذيب النفس ، والحث على المكارم، ثم إزاحة طلاسيم الصناعة البديعية وكلفة التلاعب اللفظي. والعودة إلى فحول الشعراء والإقتباس من شعرهم ، والنهل من تجاربهم، وذلك باعتماد الصور الشعرية القديمة من تشبيه ومجاز واستعارة..
2-الأفكار الجزئية:
وفي معرض حديث الكاتب عن فضية النص، لمح إلى بعض القضايا الجزية كقضية الطبع والصنعة ، وهي قضية أدبية برزت في العصر العباسي حول إن كان الشعر نابعا عن موهبة أم يحتاج إلى تهديب وتحسين.ثم قضية مفهوم الشعر حيث اعتبره البارودي مزيجا من الخيال والوجدان.
IV. التحليل:
1- الحقوق الدلالية:
ورغبة من الكاتب في مناقشة قضية بعث الشعر ، ألفيناه يمتطي مجموعة من المفاهيم، يمكن شطرها إلى حقلين دلاليين هما:
· حقل دال على الشعر الجيد :إحياء القدييم.،النموذج، المثل الأعلى،التقليد، المعاني القديمة، الكمال والقوة ، فحول الشعراء...
· وحقل دال على الشعر الردئ: التكلف، التصنع، انحراف السلائق، ضعف اللغة،المحسنات...
وبتأملنا لهاته المفاهيم يتضح أن العلاقة الرابطة بين الحقليين هي علاقة تعارض وتضاد، حيث يؤشر ذلك على مرحلتين تاريخيتين على طرفي نقيض،إذ عرف ازهارا في الأولى ، وضعفا في الثانية
وبالنظر إلى المرجعيات التي اعتمدها الكاتب ،نجده أنه قد اعتمد على تاريخ الأدب سعيا منه لتبيان الفروق الشاسعة بين الشعر في زمن الجزالة والمتانة ، والشعر في زمن الزخرف اللفظي والتنميق البديعي.
2- طرائق العرض:
وإذا انتقلنا إلى الجانب المتعلق بطرائق العرض،يتبدى لنا أن الكاتب تقفى المنهج الاستنباطي ، والدليل انتقاله من العام إلى الخاص. لأنه بدأ بذكر مدرسة البعث والإحياء، ثم راح يتحدث عن خصائصها. ناهجا مجموعة من الاساليب. كالمقارنة لما وازن بين الشعر القديم والشعر في عصر الانحطاط، وأبرز الفروق بينهما لفظا ومعنى رداءة وجدة...
والاستشهاد حين أورد في حديثه تعريف البارودي للشعر
والتمثيل حين ذكر بعض الشعراء الذين حاولوا االتحليق في سماء الشعر الصحيح كالساعتي واليازجي وآخرون
وبالنظر إلى تنويعه في الأساليب يتضح أن الكاتب توخى الموضوعية في مقاربته لقضية بعث الشعر معتمدا الحجج والبراهين المناسبة، إذ دلل على فساد الشعر مثلا بالغلو في التصنع وتشويه المعاني، وتكلف المحسنات.
V. تركيب:
عودا على بدء نقول إن الكاتب المغربي محمد الكتاني، قد تمكن من الإحاطة بقضية بعث الشعر العربي إلى حد كبير، لاعتماده على مرجعية تاريخية مكنته من ابراز مستوى الشعر في عصور مختلفة وإبراز خصائص مدرسة البعث والإحياء،لاستناده على منهج استنباط مخلل بأساليب المقارنة والاستشهاد والتمثيل، وفق لغة تقريرية مباشرة وواضحة.
كلها عناصر أفصحت عن مقصدية الكاتب وموضوعيته في رسم صورة واضحة عن مدرسة البعث والإحياء في نفخها للروح في الشعر العربي .