recent
أخبار ساخنة

لي في ما مضى مثل محمود سامي البارودي

 لي في ما مضى مثل  محمود سامي البارودي

          التقديم:


     يندرج هذا النص الشعري ضمن شعر البعث والإحياء،وقد ازدهرت هذه المدرسة بسبب عدة عوامل تاريخية واجتماعية انعكست على المستوى الأدبي،وقد استطاعت هذه المدرسة انتشال الشعر العربي من وصمة التكلف والنزعة البديعية  التي سيطرت على القصيدة العربية في عصور الانحطاط،ويعتبر محمود سامي البارودي أبرز من مثل هذا الاتجاه بدون منازع،فقد انعطف بشكل متجدر في الماضي متعمقا في أعماق التربة الشعرية العربية فجاءت قصائده ظلا لقصائد البحتري وأبي تمام والمتنبي،فاقتحم ساحة الشعر العربي بذيباجة عربية أصيلة، وقد أسهم عدة شعراء في الدفع بحركة البعث إلى الأمام منهم:حافظ ابراهيم وأحمد شوقي وعلال الفاسي ومحمد بن ابراهيم،وصاحب النص يعتبر مؤسس هذا التيار بدون منازع ساهمت عوامل عدة في صقل تجربته الشعرية منها تجربة المنفى في سرنديب بعد مشاركته في ثورة عرابي وفقد الزوجة والابن بالإضافة إلى تكوينه العسكري،وقد اقتطف هذا النص من ديوانه الصادر عن دار الجيل بيروت ط1سنة1995،فما مضمون هذه القصيدة؟وهل مثلت لنا كل خصائص شعر البعث والإحياء؟

ملاحظة النص:

1-    قراءة في عتبة العنوان:

العنوان من الناحية التركيبية شبه جملة،في محل رفع خبر لمتبدأ محذوف تقديره أنا.أما دلاليا فالأساسي فيه تأكيد الشاعر أن له شبيه وقرين عند الشعراء القدماء الذين مضوا قبله،وبدأ من العنوان تتبدى لنا معالم النزعة الإحيائية التي قامت على أساس العودة للقديم وتقليده.

   ومن خلال البيت الأول يتجلى لنا الأبعاد العاطفية التي يعبر عنها الشاعر،أما البيت السادس فيفخر الشاعر بفروسيته،وفي البيت التاسع نكتشف إسداله لجملة من الصفات على فرسه،وفي البيت الواحد والعشرين يقدم نصيحة للمتلقي،وتعكس لنا هذه الأبيات تقاطع القصيدة مع القصيدة القديمة من خلال تعدد أغراضها.

2ـ فرضية القراءة:

نفترض بناء على كل المشيرات السابقة أن البارودي سيخصص هذه القصيدة للفخر بشجاعته وفروسيته.

       الفهم:

مضامين النص:

 يمكن تقسيم النص إلى المقاطع الشعرية الآتية:

المقطع الشعري الأول:من البيت1إلى البيت5:استهلال الشاعر قصيدته بمقدمة عاطفية يتأسى فيها على فوات متع الصبا

المقطع الشعري الثاني:من البيت6إلى البيت14:افتخار الشاعر بفروسيته وتفوقه في ساحة المعركة.

المقطع الشعري الثالث:من البيت15إلى البيت19:وصف مرحلة الصيد.

المقطع الشعري الرابع:من البيت20إلى البيت23:عبر وإرشادات من الشاعر،يدعو فيها إلى الانصراف إلى الجيد من الأمور.

2ـ بناء المعنى:

افتتح البارودي قصيدته بمقدمة عاطفية عبر فيها عن شوقه وحنينه لأيام الصبا وتذكرنا هذه المقدمة بالنصوص الشعرية القديمة التي اعتاد أصحابها افتتاحها بمقدمة غزلية،تم انتقل بعد ذلك للفخر بفروسيته مبديا معالم قوته وشجاعته وأسدل جملة من الصفات على فرسه الذي يعتبر شريكه في الفروسية،لينتقل بعد ذلك للحديث عن مرحلة الصيد،وأنهى قصيدته بأبيات تتضمن جملة من الحكم والعبر.ونكتشف من خلال مضامين القصيدة أنها تقوم على إغراض قديمة سبق تداولها في الشعر العربي القديم مما يؤكد لنا خاصية الاقتباس من القديم عند شعراء إحياء النموذج.

التحليل:

1-  المعجم:

يتكون معجم القصيدة من الحقول الدلالية الآتية:

الحقل الدال على الفروسية:أشقر،حجوله،يمناه،زرق قوائمه،سود نواظره، لم يعلق به بلل، أسير والجو بالباترات، يمر بالهام،

الحقل الدال على الحكمة:أكثر الناس إن جربتهم همل،اعرف مواضع ما تأتيه من عمل،فالريث يحمد في بعض الأمور.

الحقل الدال على الصيد:السوام،للصيد في ساحتنا  نزل،

العلاقة بين هذه الحقول الدلالية علاقة تكامل والافتخار بالذات يشكل البؤرة التي تلتئم داخلها هذه التيمات،فالشاعر يفتخر بذاته فارسا ويفتخر شجاعا ويفتخر حكيما،معتمدا على آلية الوصف لتقريب كل هذه المعطيات.ومن خلال المكون المعجمي نكتشف أن الشاعر استعاد موضوعات سبق وأن تم تداولها في المدونة الشعرية القديمة.

2-  الصورة الشعرية:

استعان الشاعر في مستوى الصورة الشعرية بالاستعارة والتشبيه ومن الأمثلة الدالة على ذلك:

التشبيه:في البيت  الثامن :كأنه خاض نهر الصبح يشبه فرسه بحيوان مائي ـ البيت(11)حيث شبه سرعة مرور الفرس بسرعة البرق ـ البيت13 شبه السيف بالشعلة في الكف بجامع اللمعان وإحداث الألم الناتج عن الضرب بالسيف أو وضع جمرة في الكف.

الاستعارة:البيت (3)خطه الأزل،الكتابة صفة ملازمة للإنسان وأسندها للأزل وهي استعارة مكنية ـ البيت5:أطلعتني على أسرارها الكلل حيت استعار صفة لما هو إنساني وأسنده للكلل الثوب الشفاف الذي ترتديه المرأة.البيت(15)النبت يكتهل،حيث استعار صفة إنسانية وأسندها للنبت.

يتبين من خلال هذا المستوى من التحليل أن الشاعر يستثمر المكونات التقليدية للصورة الشعرية مما يدل لنا عن المنحى التقليدي عند رواد البعث والإحياء.

3-  الإيقاع:

أـ الإيقاع الخارجي:

رد الصبــا  بعد شيــــب اللمة الــغزل         وراح بالــــجد ما    يأتي به الــهزل

ـ0ـ0ـ ـ 0  ـ0ـ ـ0   ـ 0 ـ0ـ ـ0    ـ ـ ـ0         ـ ـ 0ـ ـ0   ـ0ـ ـ0   ـ0ـ0ـ ـ0    ـ ـ ـ0

مستفعلن فاعلن مستفعلن      فعلن          متفعلن  فاعلن    مستفعلن      فعلن

نظم الشاعر قصيدته وفق بحر البسيط،وجاء البيت الأول مخبون العروض والضرب كما لحقه الخبن في حشو الشطر الثاني،أما القافية فهي (الهزل ـ 0 ـ ـ ـ 0)وقد اختار الشاعر حرف اللام رويا للقصيدة وجاء مضموما ليناسب نفسية الشاعر الذي يفخر بفروسيته وشجاعته.

ب ـ الإيقاع الداخلي:يعد التكرار أهم مكون أسهم في إغناء الإيقاع الداخلي للنص،حيث نجد تكرار الحروف كاللام مثلا الذي اختاره رويا للقصيدة،والذي تكرر في البيت الرابع ست مرات،كما نجد تكرار الكلمات(عمل)مرتان في البيت21إضافة إلى تكرار الصيغ الصرفية حيث كرر صيغة (فعل فواعله)حينما قال زرق حوافره... في البيت9.

وقد أسهمت المحسنات البديعية على قلتها في النص في إغناء الإيقاع الداخلي للنص حيث نجد الجناس في البيت الأول(الغزل ـ الهزل)وهو جناس غير تام،(يفل ـ فلل)،(أنزل ـ نزلوا)،كما نصادف في القصيدة ومن أمثلته:الريث ـ العجل،الصبا ـ الشيب،الصبر ـ الجزع، أحياء ـ قتلى، يكشف الطباق عن الصراع النفسي للشاعر لذلك هيمن على المقطع الأول من القصيدة المخصص للتعبير عن مشاعره وعواطفه بعد أن أصبح شيخا.

وعموما فالمحسنات البديعية أعطت للنص كثافة موسيقية لكنها جاءت عفو الخاطر وبدون تكلف وهذا ملمح من ملامح تمثيل النص لخطاب البعث والإحياء.

4-    الأسلوب:

زاوج الشاعر بين جمل خبرية تتغيا الإخبار عن شجاعته وفروسيته،وجمل إنشائية يقصد من وراءها التأثير في المتلقي،ومن الأساليب الإنشائية الواردة في القصيدة نصادف أسلوب الأمر في البيت20 و21 ويؤدي وظيفة التوجيه والإرشاد، أما بخصوص الضمائر في النص فقد استعمل الشاعر ضمير المتكلم المفرد  في قسم كبير من القصيدة كما وظف ضمير المخاطب في البيتين21 و20،واستعان في أحيان أخرى بضمير المتكلم بصيغة الجمع في البيت 18.

                     تركيب:

من خلال كل ما سبق يتبدى لنا أن البارودي قدم نفسه لنا في هذا النص مثالا للفارس الشجاع ونموذجا للشاعر الحكيم فكان بذلك يعيد إنتاج صور للأسماء الشعراء القدماء كالمتني وأبي فراس الحمداني مثلا،فاستطاع بذلك استعارة الإطار الشعري التقليدي،وحمله بخواطره وعقله وصب فيه مضمون عصره،فقد كان على حد تعبير الناقدة خالدة سعيد:حلقة مهمة في تاريخ الشعر العربي الحديث،وصل الأجيال التي تلت بمنابع الشعر العربي الأصيلة في عصر افتقد النماذج الإبداعية،وهكذا أرسى القاعدة التي هيأت للذين جاؤوا بعده أن يتزودوا بذلك الموروث وينطلقوا بدءا منه في مغامرة التجديد والإبداع.

 

author-img
مدونة مثابر للتربية والتعليم،دروس،تلخيص للمقررات، مراجعة ودعم، كل ما له علاقة بالديداكتيك والبيداغوجيات التربوية،تمارين،امتحانات جهوية و وطنية...

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent