recent
أخبار ساخنة

تحليل قصيدة: أثريت مجدا لمحمود سامي البارودي


تحليل قصيدة: أثريت مجدا لمحمود سامي البارودي

 

     I.            التقديم:

 

تندرج القصيدة التي نحن بصدد تحليلها ضمن خطاب إحياء النموذج الذي اقترن بعصر النهضة، فبعد أن عانت القصيدة العربية من الركود والجمود والتلاعب بالألفاظ واعتبار الشعر تسلية وملهاة في عصر الانحطاط أخذ مجموعة من الشعراء على عاتقهم النهوض بالشعر العربي وبعثه وإحيائه من جديد، معتمدين في ذلك على محاكاة الأقدمين والنسج على منوالهم في بناء القصائد، ويمثل هذا الخطاب مجموعة من الشعراء نذكر منهم أحمد شوقي ، حافظ ابراهيم محمد ابن ابراهيم المراكشي ، محمود سامي البارودي، هذا الاخير ولد بالقاهرة سنة1838 باعث النهضة الشعرية العربية شارك في الثورة العرابية التي فشلت وكانت النتيجة هي نفي الشاعر إلى جزيرة سرنديب التي سميت بسيلان ثم جزيرة سيرلانكا أي جزيرة الزهر عاد إلى مصر سنة 1900 توفي سنة 1904.

 II.            أنشطة القراءة: الملاحظة:

يقدم النا النص مجموعة من العتبات والمفاتيح لقراءته فهناك العنوان الذي جاء جملة فعلية يحمل دلالة الفخر و التجدد والتغير من حال إلى حال ثم هناك معمار القصيدة الذي لا يختلف في شيء عن القصيدة العربية القديمة،  فهي تأسس على نظام الشطرين المتناظرين " صدر و عجز " و وحدة الوزن و القافية و الروي كما نجد حضور التصريع في البيت الأول، كما ان جملة التقديم تفربنا إلى ظروف النص ( نفي الشاعر) ومكان وجوده (جزيرة سرنديب ) كما أن قراءتنا للبتين الاول والثاني نجد أ العلاقة بينهما متجددة   فالبيت الأول يفجر لحظة الألم والبيت الأخير يبشر بانفراج الأزمة وتجاوز المحنة . من خلال هذه المؤشرات نفترض ان القصيدة هي تعبير عن تجربة  المنفى وما صاحبها من غربة ومعاناة.

III.            الفهم: موضوع النص:

من خلال قراءتنا للقصيدة نجد ان الشاعر افتتحها بالشكوى والمعاناة ولا غرابة في ذلك فالشاعر يعيش تجربة المنفى بعيدا عن الوطن والاهل لذا فهو يطلب من مخاطبه عدم لومه وعتابه عن حب أهله ووطنه ولا يملك القدرة على مواجهته لأن الإنسان عاجز عن صرف نوائب الدهر لجهله الغيب لذاك فهو غير قادر على كتم أشواقه لشدة حبه لوطنه واهله اللذين عمقا إحساسه بالغربة ومع ذلك فقد رسم لنفسه صورة البطل الشجاع ليختم قصيدته بحكمة عل غرار الشعراء القدامى تدل على نظرة الشاعر الاستشرافية لغد مشرق.

الوحدة الأولى و تضم البيتين الأول و الثاني، يبكي الشاعر و هو يكابد آلام الشوق و لفحات الحنين التي تعتمل في باطنه

-الوحدة الثانية : و تضم الأبيات " 3 – 4 – 5 " ، و فيها يلتمس الشاعر من عذاله عدم لومه و عتابه لأن الحب قد خرج على نطاق سيطرته إلى حد عجز معه التحكم في مشاعره.

-الوحدة الثالثة : و تتحدد من البيت 6 إلى البيت 10 ، و ضمنها يركز الشاعر على إمعان الدهر في تأجيج لواعج الشوق و الغرام الشيء الذي ضاعف من معاناته و ألمه.

-الوحدة الرابعة : و تتأطر ما بين البيت 11 و البيت 14 ، و فيها يضعنا الشاعر أمام تأجج نار شوقه و لوعة حنينه للأحبة و الأهل و الوطن بفعل قسوة البعاد و الغربة و الوحدة.

-الوحدة الخامسة : و تضم الأبيات المتبقية " من 15 إلى 20 " اعتزاز الشاعر بكبريائه الصامد في وجه صروف الدهر ومحنة الغربة والعشق.

 

IV.            التحليل المعجم الشعري:

تكشف لنا هذه المضامين على تأثر الشاعر بالقصيدة القديمة على مستوى الأغراض ، التي تتأرجح بين الشكوى و الاستعطاف و المكابدة ثم الفخر.

و قد استعان البارودي في التعبير عن هذه الأفكار بمعجم شعري تتميز ألفاظه بالقوة و الجزالة و المتانة و الفخامة ، محتذيا في ذلك بالمعجم الشعري القديم كما أن هذه الألفاظ تتوزع بين حقلين دلاليين هما :

أ – حقل المعاناة : دمع – مكابدة – العذل – النوب ...

ب – حقل الصبر و التفاؤل : أثريت مجدا – لم أعبأ – نفسا عالية – ملكت حلمي – سوف تصفو الليالي .

و العلاقة بين هذين الحقلين الدلاليين  هي علاقة تحدي وصمود. كما أن الشاعر قد اختار قاموسه  من الشعر القديم وقد سمحت هذه الألفاظ بتوليد الاجواء التقليدية على القصيدة كما أنه توسل بالفاظ كانت تتردد عند الشعراء القدامى في الفخر مثل "المجد" يقول أبو العلاء المعري:

ألا في سبيل المجد ما أنا فاعل    عفاف وإقدام وحزم ونائل

يقول أبو فراس الحمداني:

فكيف ينتصف الأعداء من رجل     العز أوله والمجد آخره

وبذلك يكون غرض الفخر قد ارتبط عند البارودي بشعر الحماسة وبذلك يكون قد أحيى غرضا شعريا خمد بخمود البطولة العربية وكأننا أمام شاعر عباسي تأخر به الزمن إلى عصر النهضة.

كما توسل الشاعر للتعبير عن معاناته بصور شعرية تقليدية على منوال الشعراء القدامى في التصوير وذلك من خلال التشخيص والتجسيد

فهناك التشبيه ، (الحب سلطان ) وهو تشبيه بليغ حذفت فيه الأداة ووجه الشبه  للدلالة على القوة والغلبة ثم ( كأن قلبي .. طائر في الفخ) يشبه الشاعر قلبه بطائر سجين يخفق بجناحيه والعلاقة الجامعة بينهما هي السجن و الاضطراب،  ووظيفة هذه التشبيهات هي تقريب حال المشبه. كما نجد الاستعارة في البيت 4 فقد استعار الضوء للعقل والشك للظلمة والبيت 6  حيث استعار صفة الرشق وهي صفة تخص الإنسان فأضفاها على الدهر على سبيل الاستعارة المكنية. والبيت 15 حيث استعار اليد للحوادث وفي الأصل للإنسان وبذلك يكون الشاعر قد ناسب بين المستعار له والمستعار منه. وقد اتخذت الصورة الشعرية وظيفة التزيين والزخرفة  والتدبيج.

الأساليب:

أما من حيث الأساليب فنلاحظ هيمنة الأسلوب الخبري على اعتبار أن الشاعر يخبرنا بتجربة عاشها في المنفى ومن أمثلة ذلك" لكل دمع من مفلة سبب.." – منازل كلما لاحت مخايلها..- فلا رفيق تسر النفس – أثريت مجدا.. أما الاساليب الخبرية فنجدا قد خرجت عن معانيها الحقيقية إلىح معان اخرى تستفاد من السياق مثل " النداء  والنهي يا أخا العدل لا تعجل الذين يفيدا الاستعطاف والالتماس والاسنفهام فكيف يملك ...الذي يفيد الإنكار  ثم  التمني : لوكان للمرء عقل يستضيئ به

اما من الإيقاع الخارجي فقد بنى الشاعر قصسدته على بحر البسيط الذي يمتاز بتعدد تفعيلاته و طول نفسه ، و هذا يتناسب مع موضوع القصيدة بالإضافة إلى الوزن الشعري يتعزز الإيقاع الخارجي بوحدة القافية و وحدة الروي " الباء " فضلا عن ظاهرة " التصريع " ( تصريع المطلع ).

اما الإيقاع الداخلي فقد تحقق من خلال تكرار الأصوات ( الباء – الميم الشين – الجيم ،والصوائت وخاصة الضمة التي تجليها حركة حرف الروي ثم تكرار  اللفظة الواحدة ّ" دمع" الدهر" أ –: دمع- قلب – الحب – عهد – النفس – كيف...) وقد حقق هذا التكرار وظيفة معنوية تتجلى قي التاكيد والغثبات ووظيفة فنية اضفت على القصيدة طابعا موسيقيا وجماليا.

كما نجد الطباق " تصفو – كدرتها .. كما نجد التوازي التركيبي الجزئي في البيت 18 ثم التوازي بالترادف في الابيات الثلاثة الاولى " الدمع – عين- مكتئب – العذل – لائمة ...)

V.            تركيب:

 تأسيسا على ما سبق ، نخلص إلى أن القصيدة تعد نموذجا الاتجاه الإحيائي فمن حيث الغرض نجد  تعدد الأغراض من خلال (الشكوى ) ، و مكابدة الأشواق و الغربة ، ثم الفخر أما على مستوى البناء فنجد الشاعر قد التزم الالتزام بنظام الشطرين ،ووحدة القافية والروي  اما على مستوى المعجم فنجد ان الشاعر قد وظف معجما تقليديا بامتياز أما على مستوى الصورة الشعرية : تشخيص المجردات ( الشوق ، الدهر ، الغربة...) بفضل الاستعارات و التشبيه. أما على مستوى الإيقاع فنجد الالتزام بالإيقاع الخليلي ( وحدة الوزن و القافية و الروي ).أما على مستوى وظيفة الشعر فإنها وظيفة تتوخى الإفادة أكثر من الإمتاع و ذلك من خلال جنوح الشاعر في كثير من الأبيات إلى الحكمة و الموعظة و الإرشاد ( تأثره بالنزعة الإصلاحية ).

 

 

author-img
مدونة مثابر للتربية والتعليم،دروس،تلخيص للمقررات، مراجعة ودعم، كل ما له علاقة بالديداكتيك والبيداغوجيات التربوية،تمارين،امتحانات جهوية و وطنية...

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent