recent
أخبار ساخنة

تحليل قصيدة: أريج المسك لمحمد بن ابراهيم


 

تحليل قصيدة: أريج المسك لمحمد بن ابراهيم

التقديم:

فقد الشعر العربي، في عصر الانحطاط، كثيرا من عناصر قوته وحيويته، لاعتماده على التقليد والاهتمام بالشكل، والاعتناء باللفظ على حساب المعنى، واقتصاره على بعض الأغراض التي تأتي مع المناسبات من مدح وتهنئة ورثاء وهجاء...، لكن في عصر النهضة أصبحت غاية شعراء البعثِ انتشالَ الشعر من مستنقع الرَّداءة الذي غاصَ فيه، فبدأ ينتعش، واستعاد شيئا من قوته التعبيرية وأخذ يرتبط بالحياة من جديد. وحمل مجموعة من الشّعراء لواء هذه الحركة، نذكر منهم البارودي وأحمدَ شوقيّ وحافظَ إبراهيم من المشارقة. وأصبح لهذه الحركة الإحيائية مناصرون وأتباع كثر في كل البلدان العربية وتجاوز صداها المشرق العربي ليصل إلى الغرب الإسلامي في تونس والجزائر والمغرب، ومن أهم الشعراء نجد علال الفاسي ومحمد المختار السوسي ومحمد الحلوي  ومحمد بن ابراهيم الملقب بشاعر الحمراء، الذين ساهموا في إعادة الاعتبار للشعر العربي القديم، من خلال مجموعة من القصائد التي تمثَّل فيها نهجَ القدماء. فإلى أي حد تمثل قصيدة محمد بن ابراهيم "أريج المسك" إحياء النموذج شكلا ومضمونا؟.

الملاحظة:

    جاء العنوان "أريج المسك" جملة اسمية مكونة من "أريج" خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا أوهذه، وهو مضاف و"المسك" مضاف إليه مجرور، أما من الناحية الدلالية فأريج يعني انتشار رائحة مرتبطة بالمسك، ولذلك فهي زكية وطيبة لطيب الأصل. فما قصد الشاعر من ذلك؟

    واعتمادا على دلالةِ العنوان وشكل القصيدةِ الذي يبدو محاكيا للقصيدة العمودية وبدايتها واسم الشاعر، واتكاءً على بعض المشيرات النصّيّةِ مثل:(قريضي توحيه إلي قريحتي، معانيه لي، يفوح أريج المسك إن ذكر اسمهم...) نفترض أن القصيدة تقليدية تندرج ضمن خطاب إحياء النموذج، وينقل فيها صاحبها معاناته الداخلية، إضافةً إلى افتخارِه بنفسهِ وأصحابه.

الفهم:

استهل الشاعر قصيدته بذكر معاناته من مصائب الدهروشكواه لأصحابه وافتخاره واعتزازه بأهله وجاهه وأخلاقه وإسداء النصح للآخرين. ويمكن تقسيم هذه المضامين إلى الوحدات التالية:

الوحدة الأولى:(من ب1 إلى ب3): التماس الشاعر من أصحابه العذر للانفراد بذاته بعيدا عن زمنه الكئيب رغبة منه أن  يجد في البكاء عزاء.

الوحدة الثانية: (من ب4 إلى ب12):  إبراز الشاعر ملامح قوته المتمثلة في خصاله الحميدة ونبله وشهامته وامتلاكه للملكة الفكرية والشعرية التي ينفرد بها.

الوحدة الثالثة: (من ب 13 إلى ب18): افتخار الشاعر بأهله وصحبه وأخلاقهم واصفا إياهم بالصفاء والود وحسن الخلق واللباقة والاستعداد الدائم لتقديم العون.

الوحدة الرابعة: (من ب 19 إلى ب20): توجيه الشاعر النصح للناس لتخليد أنفسهم وتحصين أخلاقهم حتى يخلدوا بذكراهم عبر التاريخ.

التحليل:

وقد اعتمد الشاعر في إبراز مضامين النص على معجم تقليدي ينهل من اللغة العربية القديمة مثل: (صارم، العضب، القعب، مناجيد، أقيال...)، ويتوزع إلى حقلين دلالين: حقـل الشكوى (دعوني، ما يقوى على حمله قلب، مدهي بخطب يسوؤني، الخطب، دموعا سكبتها، أحزاني، دموع...)، وحقـل الفـخـر( أتيه وأزهو في الأنام، أرفع رأسي شامخ الأنف، تعرفني الأخلاق، مجد، المال، الجاه، الفضل، النهى، العلم الآداب، قريضي توحيه إلي قريحتي، قافية عصماء، كسب المحامد، يشكرك التاريخ والناس والرب...). ونلاحظ هيمنة حقل الافتخار على باقي الحقول الدلالية الأخرى، بسبب رغبة الشاعر في إبراز خصاله وفخره بنفسه وتمجيد ذاته. وتربط بين هذه الحقول علاقة ترابط وتكامل لأن شكوى الشاعر من حياته، كانت حافزا للافتخار بنفسه، وإظهار خصاله ومزايا أصحابه، وجعلته يسدي النصح للناس ليستفيدوا من تجربته في الحياة.

    وأما على مستوى البنية الإيقاعية فقد نظم الشاعر قصيدته، على وزن بحر الطويل، (فعولن مفاعيلن فعولن مفاعيلن×2) الذي تنسجم تفاعيله وقوته مع غرض النص الأساسي ألا وهو الفخر، كما التزم الشاعر وحدة القافية، التي جاءت مطلقة ورويها متحرك وموحد وهو حرف الباء من الحروف المجهورة التي تتناسب وجهر الشاعر بخصاله. يضاف إلى ذلك التصريع الوارد في مطلع القصيدة حيث تساوى العروض والضرب (مفاعلن).

    هذا من حيث الإيقاع الخارجي، أما فيما يتعلق بالإيقاع الداخلي للنص، فنميز فيه بين التكرار والتوازي، فالأول يظهر في تكرار حروف بعينها أهمها روي القصيدة الباء ثم حرف السين والهاء والصاد وغيرها؛ وفي تكرار بعض الألفاظ (دموع، سكبتها، سكب، تعرفني..)، وهذا التكرار أدى دورا توكيديا دعم غرض القصيدة، مما ساهم في خلق انسجام موسيقى النص الداخلية.  والثاني في التوازي الصرفي الذي يتعلق ببنية الكلمات مثل: (القلب/ الخطب، سكب/ عضب، صحب/ قعب...)، والتوازي التركيبي الذي تمثل في التوازي التركيبي التام بقوله:

(وتعرفني الأخلاق والفضل والنهى     وتعرفني الآداب والعلم والكتب)

والتوازي التركيبي الجزئي في قوله:
(وما المرء إلا ذكره بفضيلة             وما ذكره إلا فعاله والكسب )
وقد تضافر التكرار والتوازي في خلق موسيقى داخلية للنص، أضفت عليه جمالية وحلة تزيينية، مما ساهم في تقريب المتلقي من قصد الشاعر وهدفه.

    وإذا انتقلنا إلى الناحية الفنية نجد أن الشاعر اعتمد بعض الصور الشعرية، ملتزما بمكونات البلاغة القديمة، مثل التشبيه في البيت السابع عشر: (حديثهم كأنفاس زهر الروض)، حيث شبه حديث أصحابه في حسنه كأنفاس الروض في رائحته، والاستعارة المكنية في قوله في البيت السادس: (تعرفني الأخلاق)، حيث شبه الأخلاق بالإنسان، فحذف المستعار منه (الإنسان) واحتفظ بأحد لوازمه (تعرفني)، وكذلك الأمر في الشطر الثاني من نفس البيت (تعرفني الآداب)، إضافة إلى الكناية في البيت الخامس: (وأرفع رأسي شامخ الأنف)، حيث كنى عن عزته ورفعته بشموخ أنفه. اذن لم يخرج بن ابراهيم عن تقاليد القصيدة العربية في استناده على طريقة الشعراء القدماء، التي تعتمد في صورها على الوصف بشكل كبير.

    أما الأساليب فيمكن أن نميز فيها بين أسلوبين: إنشائي وخبري، فمحمد بن إبراهيم استعمل الأول للكشف عن حالته الوجدانية وانفعالاته، مثل أسلوب النداء في البيت الأول الذي جاء على سبيل الإنشاء الطلبي، ثم أسلوب النهي بقوله:(فلا تذكروا)، بالإضافة إلى أسلوب الأمر في قوله:(فثابر على كسب المحامد)؛ ويعتمد الثاني كوسيلة للإخبار بمعاناته وافتخاره بنفسه وخصاله ومجده وأصحابه، حيث استعمل الشاعر الأسلوب الخبري في أغلب أبيات القصيدة، لأن هدفه الأساس هو إخبار المتلقي عن خصاله ومجده. كما نجده زاوج جمله بين الفعلية والاسمية.

التركيب:

نستخلص في ختام هذا الموضوع أن القصيدة تنتمي إلى خطاب إحياء النموذج فقد سار الشاعر فيها مقتفيا آثار القدماء فمن حيث المضمون جاءت القصيدة متعددة الأغراض : الشكوى، المدح، الفخر، الحكمة أما من حيث الشكل فقد حافظ الشاعر على نظام الشطرين المتناظرين ووحدة الوزن والقافية  والروي والتصريع، أضف إلى ذلك الصور الشعرية التي اعتمدت على الذاكرة القديمة وبذلك تكون القصيدة هي مثال حي من شعر إحياء النموذج بالمغرب.

author-img
مدونة مثابر للتربية والتعليم،دروس،تلخيص للمقررات، مراجعة ودعم، كل ما له علاقة بالديداكتيك والبيداغوجيات التربوية،تمارين،امتحانات جهوية و وطنية...

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent