recent
أخبار ساخنة

تحليل نص: وجدان الشاعر لأحمد المجاطي

 


تحليل نص: وجدان الشاعر لأحمد المجاطي

التقديم:

      مع بداية القرن العشرين بدأ المجتمع العربي يبحث عن عوامل التحديث وبواعث التطور لاحتكاكه المباشر بالحضارة الغربية التي كانت نقطة مضيئة بالنسبة له، فعرف مجموعة من التحولات الجدرية على كافة المستويات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية. لذلك تبنى العديد من الشعراء مبادئ الديمقراطية، ودافعوا عن الحرية وقيمة الإنسان، رغم ان  الواقع العربي لم يكن متناغما مع هذه المبادئ بسبب مظاهر التخلف وهيمنة الاستعمار، فانفتحوا على آفاق جديدة مغايرة خصوصا الشعر والنقد الغربيين، وتأثروا بشعراء غربيين أمثال شكسبير وكولريدج ولامارتين وفيكتور هيكو وغيرهم.

فظهر مصطلح سؤال الذات الذي يحيل على معنيين يرتبط الأول بما يطرحه الشاعر على ذاته من تساؤلات في علاقتها بالعالم الخارجي؛ أما الثاني فيرتبط بالسؤال الذي يطرحه الشاعر على ذاته منفصلة عن كل ما يحيط بها. ولقد نتج عن هذا السؤال  في الشعر العربي الحديث حركة أدبية سميت بالرومانسية، التي تميزت بالتأمل العميق في الكون والحياة والطبيعة، ورفضت التقليد ودعت إلى التجديد، واتجهت بمضمون القصيدة الحديثة اتجاها وجدانيا. وبظهورها ظهرت مجموعة من الدراسات النقدية التي عرفت بهذا الشعر الجديد وبوظيفته، ومن بين النقاد الذين اهتموا بهذه الدراسات الكاتب المغربي أحمد المجاطي. فما القضية التي يعالجها الناقد في نصه؟ وما طرائق عرضها؟ وإلى أي حد استطاع الناقد تقديم تصور نظري عن هذا الاتجاه؟

الملاحظة:

        يتألف العنوان من كلمتين مركبتين تركيبا إضافيا، وجدان خبر مرفوع وهو مضاف، الشاعر مضاف إليه مجرور، لمبتدأ محذوف تقديره هذا، أو وجدان مبتدأ وهو مضاف والشاعر مضاف إليه والخبر محذوف. ومن الناحية الدلالية يفيد أن الوجدان متعلق بالشاعر وله مجموعة من الخصوصيات.

    وانطلاقا من دراسة العنوان وشكل النص والفقرى الثالثة وبعض المصطلحات مثل "الديوان، أبولو، المهجر" وهي مصطلحات تشير إلى أهم المدارس الأدبية الرومانسية التي ثارت على الشعر الإحيائي واعتبرت الشعر وجدان، وآمنت بأن الذات هي مصدر الإلهام  نفترض أن النص دراسة نقدية، وأن الكاتب سيعالج فيه مبدأ الوجدان ومظاهر اختلاف شعراء التجربة الذاتية حول مفهومه.

الفهم:

اهتم المجاطي في هذا النص بإبراز مظاهر انتقال الشعر من التقليد إلى التجربة الذاتية. حيث بدأه بذكر الأسباب التي أدت إلى ظهور الاتجاه الذاتي في الشعر العربي، والمتمثلة في تضافر مجموعة من العوامل الاجتماعية والسياسية، بالإضافة إلى كونه جاء ردا على الحركة الإحيائية الغارقة في التقليد بعيدا عن ذات الشاعر. ثم انتقل إلى تحديد التيارات الأدبية التي ساهمت في الرجوع بالشعر إلى الذات، وهي مدرسة الرابطة القلمية وتيار جماعة أبولو. بعدما ظهرت بوادره الأولى مع شعراء جماعة الديوان بزعامة الشعراء الذين أسسوا لهذه التجربة عباس محمود العقاد وعبد الرحمان شكري وإبراهيم عبد القادر المازني، والذين أجمعوا على فكرة أن الشعر وِجدان. إلا أنهم اختلفوا حوله، فعباس محمود العقاد يرى أن الوجدان مزجا بين الشعور والفكر. أما عبد الرحمان شكري فأراد أن يكون الوجدان تأمل في أعماق الذات بكل أبعادها الشعورية واللاشعورية. في حين وجد إبراهيم عبد القادر المازني أن الوجدان كل ما تفيض به النفس من شعور وعواطف وأحاسيس. ويرى المجاطي أن الشعراء استمدوا قيمة العنصر الذاتي في شعرهم من أمرين الأول تاريخي يتمثل في انهيار الفرد والعمل على إعادة الاعتبار لذاته ؛ والثاني في التشبع بالفكر الحر. لينهي نصه بتحديد تصور شعراء المهجر لمفهوم الوجدان خاصة جبران وميخائيل نعيمة والمتمثل في النفس والحياة والكون. وأكدوا وجود روابط خفية تشد الكائن الحي إلى العالم كله، وترفع من مكانة الفرد وتعيده للحياة.

التحليل:

وظف الكاتب مجموعة من الألفاظ والعبارات الدالة على أن الشعر الذاتي يميل إلى الحرية مثل (قيم جديدة ـ الدعوة إلى الوجدان ـ الذات ـ الاختلاف ـ التمايزـ التفرد...)، إضافة إلى عناصر النقد الضمني لحركة الإحياء (الحركة الإحيائية اتجهت اتجاها قويا نحو محاكاة الأقدمين ولم تول ذات الشاعر وهمومه الفردية أهمية كبرى...)، ونلاحظ هيمنة العنصر الوجداني مما يدل على أهمية التجربة الرومانسية في القرن 20.

    وقد استند من أجل توضيح قضيته على المنهج الاستنباطي، حيث انطلق من تصور عام مفاده اعتبار التحول الذي عرفه الشعر العربي إلى الاتجاه الذاتي، ردا على الحركة الإحيائية التي قامت على محاكاة القدماء، ولم تهتم بذات الشاعر، لينتقل إلى الخاص بإبراز مظاهر تحول مفهوم الشعر في الاتجاه الذاتي. كما اعتمد لغة تقريرية تعتمد السرد التاريخي عبر تتبع المسار التاريخي لنشأة التيار الوجداني وتطوره. إضافة إلى توظيفه بعض المفاهيم النقدية والأدبية مثل:(مفهوم الوجدان ـ ظاهرة الاختلاف حول مفهوم الوجدان ـ تطور المفهوم...)، ونلاحظ أنها ترتبط بشكل كبير بالحركة الرومانسية.

ما يبرز استناد المجاطي على مرجعية ثقافية لمعرفته الشاملة بالاتجاه الرومانسي ورواده والاختلاف بين مدارسه، حيث دعم موقفه بذكره لأسماء الشعراء وآرائهم.

    ولإقناع المتلقي بوجهة نظره اعتمد الناقد مجموعة من الأساليب الحجاجية كأسلوب التعريف عندما عرف الاتجاه الذاتي الذي أعاد الاعتبار لذات الشاعر ووجدانه، وأسلوب المقارنة بإبرازه مميزات الشعر بين الحركة الإحيائية والحركة الرومانسية، ومفهوم الوجدان بين مدرسة الديوان والرابطة القلمية وجماعة أبولو، والاستشهاد بقول العقاد: "أنه إن لم يعرف حياة الشاعر..."، وأسلوب التوكيد باعتماد روابط تفيد التأكيد والإثبات مثل: (أن إيمان شعراء هذه الجماعة...، لقد بدأ الاتجاه..)، ما ساهم في إعطاء النص طابعا إقناعيا.

التركيب:

تأسيسا على ما سبق فإن الناقد قد كشف عن أهم التحولات التي عرفها الشعر العربي الحديث من خلال التعريف بالاتجاه الذاتي و أسباب ظهوره وتياراته : الديوان ، المهجر، أبولو، كما تطرق لمفهوم الوجدان الذي يعد مفهوما مركزيا لهذا الاتجاه والتفاوت فهمه من شاعر إلى آخر ، معتمدا ذلك على التدرج والتسلسل موظفا أسلوبا استنباطيا ولغة تقريرية أضف إلى ذلك حضور النفس الحجاجي المتمثل في المقارنة والروابط اللغوية والشاهد التاريخي وكل هذه العناصر أضفت على النص طابعا إقناعيا.

 

author-img
مدونة مثابر للتربية والتعليم،دروس،تلخيص للمقررات، مراجعة ودعم، كل ما له علاقة بالديداكتيك والبيداغوجيات التربوية،تمارين،امتحانات جهوية و وطنية...

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent