recent
أخبار ساخنة

تحليل مسرحية: ابن الرومي في مدن الصفيح لعبد الكريم برشيد

 

I.            القراءة التوجيهية :

1 - تعريف لفن المسرح :

    إذا كان المسرح قديم قدم الحضارات الإنسانية العريقة, كالحضارة اليونانية و الرومانية, فإنه لم ينشأ بشكله الفني الحديث في الحياة الثقافية العربية إلا في النصف الثاني من القرن 19م نتيجة الاحتكاك الثقافي مع المسرح الأوروبي .

   أما في الثقافة المغربية فإن هذا الفن لم يظهر إلا في بداية الثلاثينات من القرن الماضي. و تتنوع الأعمال الفنية المسرحية ما بين الترجمة و التأليف و الاقتباس, و سيزداد عدد الكتاب و الممثلين و المخرجين, مما سيولد أشكالا متعددة من الفن المسرحي, و التي نذكر منها :

  المسرح الاحتفالي : هو تيار مسرحي قوامه الدراما, والاحتفال, والتواصل مع الذوات, وحفر ذاكرتها الشعبية , ظهر سنة 1976. ويعد مسرحا أصيلا ومتجذرا في الثقافة المغربية , باعتباره يشتغل على التراث الثقافي الفني المغربي, ويستفيد من كل أشكال التمسرح الشعبي, و الفرجات التلقائية التي تتميز بها بعض الاحتفالات الجماعية التي تقام في مناسبات مختلفة.

2      -  إشارات في حياة المؤلف :                                                    

-        الدكتور عبد الكريم برشيد ولد بمدينة بركان سنة 1943م, حصل على الإجازة في الآداب 1971 بفاس.

-        حصل بعد ذلك على دبلوم في الإخراج من أكاديمية ميونبولي بفرنسا . 

-        يعد الدكتور عبد الكريم برشيد رائدا من رواد المسرح العربي و المغربي, خاصة في مجال الكتابة الدرامية و التنظير المسرحي.

-        وهو من رواد المسرح الاحتفالي بالمغرب.

-        ومن أهم أعماله الجادة في هذا المجال نذكر منها : "حدود الكائن والممكن في المسرح الاحتفالي "و"امرؤ القيس في باريس" و "ابن الرومي في مدن الصفيح " ثم " الناس والحجارة " و " اسمع يا عبد السميع" ...

-        انظر الملحق .

3      - دراسة في المؤشرات التجنيسية والعتبات :

·       عتبة العنوان :

"ابن الرومي في مدن الصفيح " شاعر عباسي ولد ونشأ ببغداد وتوفي أولاده الثلاثة وأخوه وكذا زوجته , مما أثر على حياته , ليكون يائسا وحزينا , ولجأ إلى أسلوب الهجاء, ليموت مسموما . " مدن الصفيح ' , تحيل على الفقر والتهميش والحرمان... وقد ربط الكاتب بين هذين العنصرين للدلالة على تداخل الأزمنة الماضية والمعاصرة ليعيش ويقرب لنا الصورة.

·        لوحة / صورة الغلاف:

 تحيل على خمس شخصيات يلبسون ثيابا تقليديا فضفاضة ذات طابع كلاسيكي , تقوم بتجسيد دور مسرحي.

    II.            القراءة التحليلية للمُؤلًّف :

1 -  تتبع الحدث / المتن الحكائي للمسرحية   :

تحكي المسرحية حكايتين :

الحكاية الأولى:  حكاية ابن الرومي التي يرويها ابن دانيال وابنته دنيا زاد.

     تبدأ المسرحية باستعراض أهم الجوانب المحيطة بالعمل المسرحي , كما يعرض الحيثيات الخاصة بالركح (خشبة المسرح), من ديكور و موسيقى وأضواء وترصد حركية الشخوص, سواء الرئيسة منها أو الثانوي .

الحكاية الثانية  :  حكاية سكان حي القصدير الذين يعانون من الفقر والحرمان والتهميش...

     وقد قسم صاحبُنا عبد الكريم برشيد هذا المؤلف إلى سبعة عشر لوحة احتفالا منه بالمسرح ليبدأ بلوحة تحت عنوان إلى" أين يرتفع الستار" يصف فيها مشاهد العرض المسرحي حيث دخل رجل إلى خشبة المسرح و هو يخترق الجمهور و يجر معه عربة كُتِب عليها ' خيال الظل ' , تم فيها تمثيل الرقص شعرا, إضافة إلي تواجد فتاة غجرية بجوار العربة, إنها ابنة الرجل, و تدعى دنيا زاد أما الرجل فاسمه ابن دانيال و الذي سيدخل في صراع مباشر مع عامل الستار الذي اتهم ابن دانيال بأنه طفل صغير, و أنه ليس في عرس, و أمره بأن يلزم الصمت فتعجب ابن دانيال من هذا التصرف ليلتفت إلى ابنته و هو في حيرة و يقول إنه لايعرفني يا ابنتي, فعملت دنيا زاد على توضيح الأمر لعامل الستار و تخبره بأن ابن دانيال شيخ المخاتلين ويجيبها عامل الستار بقولة إنه شيخ المخادعين .

لينتهي باللوحة الأخيرة بعنوان " أين ينزل الستار" ص92, و التي عمِد فيها ابن دانيال إلى شرح سر حكاية بغداد سكان حي القصدير المعاصرين له , سعدان وحمدان ورضوان , ويبين أنها حكاية كل مدينة تمثل فيها المسرحية في الحاضر, فدعبل و جحظة وعيسى وأشعب وابن الرومي وعريب , كل هذه الأسماء ما هي إلا أقنعة تخفي خلفها نماذج بشرية من هذا الحي , من هذه المدينة, وبعدها ذهب سكان حي القصدير مع عاشور خادم العدو الذي يريد إخلاء الحي , وتذهب معهم دنيا زاد, مع علمها بأن المسرحية لم تتم بعد, وإنما دعوة إلى فعل الاحتفال بالعذاب والوجود داخل وخارج المدينة .

2 - القوى الفاعلة في المؤلف :

         القوى الفاعلة : ونعني بها كل الشخصيات الظاهرة التي يكون لها دور فاعل في بناء الأحداث ,لكننا نستطيع أن نميز بين القوى الفاعلة الأساسية والقوى الفاعلة المساندة للفعل الدرامي.

أ-القوى الفاعلة الأساسية:

-        ابن الرومي:

وظف الكاتب شخصية ابن الرومي التاريخية باعتبارها شخصية حية وفاعلة في أحداث المسرحية,ومن الطبيعي أن يكون فد استفاد من الخصائص التي كانت تتمتع بها هذه الشخصية في الماضي(القلق ,التشاؤم,التطير,البؤس,وسوء الحظ والسخرية).على أنه أضاف إليها بعض الخصائص الأخرى التي كانت بحاجة إليها ليلائم صورتها مع دورها الجديد في المسرحية ,وكل هذه الخصائص  حاضرة في النص المسرحي ,ولاشك أن الغاية من الاستفادة من التراث  الثقافي العربي هي تقريب المسرح من العقلية العربية .

وقد دعا عبد الكريم برشيد إلى الاستفادة من الأشكال الفرجوية الموجودة في التراث العربي لتفادي نسخ التجارب الغربية التي تعمل على طمس الهوية العربية.

ويظهر ابن الرومي في لوحات المسرحية بشخصيات متعددة مما يقوي صورة شخصية مضطربة ومتقلبة المواقف.

-ابن الرومي الانطوائي الساخر: يتجلى انطواء ابن الرومي في المسرحية من خلال ملازمته بيته ,لا يريد الخروج منه إلا بعد إلحاح الآخرين,والسبب فيما يبدو هو أنه كان يعيش حالة غموض خانق مصحوبة بحيرة وخوف من المجهول,وهو يعبر عن ذلك بنفسه في حوار ذاتي فيقول"أفتح الباب أولا أفتحه؟ يومك يابن الرومي لغز محير,وأحلامك رموز غامضة,أحيا بين رمز ولغز".ص25

-ابن الرومي المتواطئ مع السلطة : ويظهر ذلك عندما تلقى ابن الرومي منحة عبارة عن صرة من ذهب من رئيس المجلس البلدي,هذه المنحة جعلته يفكر في شراء جارية والتي هي "عريب"،ومن جهة أخرى كان ابن الرومي قد دعي من قبل" الخادم يا زمان"لتسخير شعره لمساندة هدم أحياء الصفيح وبناء مشروعات سياحية... اللوحة 11ص55-57.

-ابن الرومي داعم الحرية والعائد غلى أهله : لا تريد المسرحية أن تبقي صورة ابن الرومي مضطربة ومترددة ومتواطئة إلى النهاية,بل إنها تفتح إمكانية تحوله التام إلى شخصية إيجابية تدعم مبدأ الحرية وتعود إلى أهلها الذين طالما شعرت بالتضايق إلى جوارهم,وتنصت إلى صوت الحرية الناطق على لسان عريب التي أعتقتها فرجعت إليها وإلى الحي من  أجل العمل إلى جوارهم على مواجهة ما يدبر لحيهم من مكائد.

وكانت نقطة التحول الأساسية في مواقف ابن الرومي هي الحوار الذي دار بينه وبين عريب الجارية , وكان قد اشتراها واستقدمها إلى منزله فامتنعت عليه.

-        عريب:

إذا كانت شخصية ابن الرومي قد حازت على دورها الرئيسي في المسرحية للأسباب التي شرحناها سابقا, ومنها حضور اسمه في عنوان النص وحضور شخصيته في أغلب اللوحات ,وتركيز الاهتمام على حالته المتأزمة,وانقسامه الذاتي,فإنه يمكن القول بأن عريبا تحتل المرتبة الأولى من حيث الشخصيات الحاملة للقيم الإيجابية في النص.ولقد لاحظنا فيما  سبق أن عريبا هي التي جعلت ابن الرومي يتطور ويتحرر من تشاؤمه وعزلته ,ويندمج مع الناس في أسواق بغداد.فما هي إذن العلامات الأساسية في تطور هذه الشخصية النسائية؟

كان أول ظهور لعريب في المسرحية مقرونا بالكتابة "اللوحة السادسة ص29",وهذا الجانب له أهمية بالغة ,لأنه يتلاءم مع الدور الذي أنيطت به عريب في أحداث المسرحية, فالكتابة ترمز إلى الفكر,وتشغيل الفكر بالكتابة يعني تحريك الوعي, ومظاهر وعي عريب تتجلى في أول ظهورها  حين تحدثت بطريقة رمزية.

ب- القوى الفاعلة المساندة للفعل الدرامي:

وهي كثيرة في المسرحية ويمكن  تصنيفها إلى خمس مجموعات أساسية:

-المجموعة الأولى: (صنف المقهورين):ويجمعهم الخضوع للاستغلال والبؤس وهم:"دعبل الأحدب,عيسى البخيل جحظة المغني,وتضاف إليهم الجاريتان حبابة وجوهرة,وإلى حد ما عاشور"

-المجموعة الثانية:(صنف القاهرين):ويجمعهم الاتفاق على استغلال الآخرين والتحكم في حرياتهم وأرزاقهم وهم:"الخادم يا زمان,ممثل المجلس البلدي,مقدم الحي,الرباب بائعة الجواري"

-المجموعة الثالثة:

     (صنف الوعي بما يجري والرضى بما هو قائم ):هذه الفئة هي نخبة حي الصفيح,ويمثلها"سعدان (الكاتب العمومي)’حمدان(الشاعر),ورضوان (العامل).

-المجموعة الرابعة:(تتظاهر بالبله والغفلة ولكنها عارفة بخبايا الواقع):ويمثلها"أشعب المغفل, وعاشور الأبله"

- المجموعة الخامسة:(ينحصر دورها في تحريك اللعبة المسرحية):ولذلك فهي غير مشاركة في الأحداث ولكنها تحسب على القوى الفاعلة لأنها تفصح عن بعض مواقفها واختياراتها, وتعبر عن انحيازها إلى صف القوى الفاعلة الإيجابية الممثلة كما رأينا في "عريب الجارية وابن الرومي".

ويمثل هذه المجموعة الخامسة"ابن دانيال محرك خيال الظل,وابنته دنيا زاد التي تساعده في الإخراج وإبداء الرأي".

وتجدر الإشارة إلى أنه لم يتم ذكر باقي شخصيات المسرحية لان معظمها يقوم بأدوار مساندة ومؤثثة لجريان الحركة المسرحية كما هو الشأن في واقع الحياة اليومية.ونخص بالذكر "عامل الستار,الأطفال,العون الأول,العون الثاني,يعقوب المنادي".

 

                            

 

     2 -  البعد الاجتماعي في المؤلف :

   تتعدد القضايا التي عالجتها المسرحية وتتنوع, ولكن هناك قضيتين أساسيتين تأتيان في مقدمة القضايا التي تم التركيز عليها وهما:

أ-الاستغلال الاجتماعي : فإثارة موضوع مدن الصفيح غي عنوان المسرحية هو مؤشر مبكر على تحويل هذا الموضوع لقضية مركزية في العمل المسرحي.

فسكان حي الصفيح واجهوا ما كان يقال لهم في الخفاء تحت واجهة مشروع سياحي يدر الخير العميم على الجميع بمن فيهم السكن الفقراء في الوقت الذي كان فيه الهدف الحقيقي هو هدم أكواخهم وتشريدهم وبناء مشروع سياحي لفائدة غيرهم.

ب- استغلال المرأة: يمكن اعتبار استغلال المرأة قضية مستقلة لما حظيت به من اهتمام خاص ومتميز في عالم النص المسرحي ,علما بأننا أشرنا إلى الدور الريادي في الفكر والتمرد ونشر  الوعي لدى شخصية نسائية أساسية وهي شخصية "عريب".

معظم النماذج النسائية الموجودة في هذه المسرحية خاضعة لسلطة قهرية مزدوجة.

-سلطة السيد في مقابل خضوع العبد ,وهنا رجع المؤلف إلى نظام الرقيق في التاريخ العربي من أجل تقوية صور الاستغلال الجنسي  للنساء على الخصوص.

- سلطة المال الذي حول جسد المرأة وروحها معا إلى مادة للاستهلاك.

فقد أدمجت النماذج النسائية للدلالة على واقع المرأة في العالم العربي ,والعالم الغربي على السواء,ويتجلى هذا كله في المسرحية في تمرد عريب ورفضها لأن تجمع بين أن تكون سلعة تباع وتشترى,وأن تمنح عواطفها للأسياد,وعبرت عن حلمها بالتحرر حين مثلث رفضها الانصياع لرغبات رئيس المجلس البلدي .ص38,كما رفضت أن تبادل ابن الرومي مشا عره العاطفية وصك شرائها بين يديه"اللوحة 14ص74".

 

 

 

 

 3 - البعد النفسي في المؤلف :

استطاع عبد الكريم برشيد أن يستغل ما تحمله شخصية ابن الرومي من دلالات "التطير,التشاؤم,لما عرف عن الشاعر ابن الرومي من خصال, وأسهم هذا في خلق سياق من التوثر العام في المسرحية.

ويبدو هذا من خلال الخوف والتوثر اللذان تعيش على إيقاعهما الشخصية الرئيسية"إنني أحس بالخوف وحدي,أحس بالموت من غيرك,لا أستطيع شيئا فامنحيني يدك يا امرأة امنحيني يدك".ص73

وكان يشعر أيضا بالشؤم اتجاه "دعبل الأحدب,وعيسى البخيل,وأشعب المغفل، وجحظة المغني ,بكل ما فيهم من عيوب كانت دائما تستفز مشاعره وتجعله كارها للحي وأهله منطويا على نفسه قابعا وراء باب بيته.

سهم ا

4 -  أسلوب المؤلًّف وبنية لغته :

  تأخذ اللغة في المسرحية طابعا حواريا , و هذا أمر طبيعي؛ لأن الحوار هو الأسلوب الذي يهيمن في ثنائية النص والعرض المسرحي, و يدور بين طرفين مستقلين أو أكثر, وذلك على طول و امتداد النص و تكمن  وظائفه فيما يلي :

ü   تطوير الحبكة الفنية للمسرحية و الكشف عن صور الشخصيات و شرح الوقائع وبيانها, و شد انتباه القارئ إليها.

ü   كونها ذات طابع صراعي, وهذا شأن طبيعي, لأن الصراع الدرامي من صميم النص المسرحي و يتضح ذلك من خلال المقاطع الآتية :

عامل الستار: أيها السيد العاصفة يا من يدخل كالطوفان و الزلزال متى تفهم؟

ابن دانيال :  تكلمني ؟ ينزع من وجهه القناع .

عامل الستار : أكلمك إن كنت طفيليا فاعلم أنك لست في عرس.

ابن دانيال : المسرح حفل و احتفال و هكذا علمونا.

عامل الستار:  لا توجع رأسي بأسئلتك البلهاء خذ مكانك بين الناس, و اقنع بالظلمة و الصمت خد مكانك.

حمدان :  نعم جئت تحمل أخبار السوء كعادتك.

المقدم : لا قل غير هذا.

سعدان : فما رأيناك إلى رسول الشؤم و النحس.

ü   كونها ذات طابع حجاجي لأن مبدأ الصراع الدرامي القائم التعارض و التناقض، يستدعى الحجاج لكي يقنع كل طرف بالطرف الآخر المخالف له في الرأي و الموقف و يمكن أن نستشهد بهذا الطابع الحجاجي للغة في هذا النص المسرحي بالمشهد الحواري الآتي :

عامل الستار : إنه مسرح و إن حسبته سيركا فقد أخطأت خذ مكانك و ضعنا نرفع الستار.

ابن دانيال  : ملتفتا لابنته دنيا زاد هل سمعت إن الرجل لا يعرفني يا ابنتي .

ابن دانيال:  أخبريهم إذن عني أخبريهم .

دنيا زاد :  للعامل سيدي هذا الرجل الواقف أمامك في تواضع العلماء هل تدرى من يكون ؟ إنه ابن دانيال شيخ المخاتلين .

وفي حوار آخر :

سعدان :  فما رأيناك إلا رسول الشؤم و النحس.

المقدم :  كان ذلك قديما أما الآن فقد تغير كلُّ شيء صدقوني لقد أصبحت الدنيا غير الدنيا و الأرض غير الأرض .

-        الأساليب:

أسلوب الاستفهام : هل يغضب السعداء ؟

أسلوب النداء :  يا أيها العامل؟,  يا رضوان ؟, يا ابنتي ؟.

أسلوب الأمر:  اسمعوا جيدا. اسمعوا يا أطفال.

   فضلا عن كونها تشتمل على ما يعرف بالإرشادات المسرحية و هي التي ترد في النص بين قوسين و هي كثيرة حمدان ( في سخرية ) المقدم ( مقتربا من حمدان ) المقدم ( يضحك في خبث ), أما وظيفتها فتكمن في الكشف عن الإطار الزمكاني للحوار المسرحي, و كذا بيان ملامحَ و هوياتِ الشخصيات و حالاتِها و وضعياتِها,أي الإشارات الدالة على المخرج والممثل والديكور والمتفرج والقارئ .

   وتحمل اللغة جانبا من شحنات عاطفية و فكرية يمكن رصدها في المشهد الحواري الآتي :

المقدم : أخيرا فتحت يا سمسم ( مقتربا من حمدان ) حمدان أنت قلب الحي و شاعره أليس كذلك؟

حمدان :  هكذا يقولون عني.

المقدم :  و أنت يا سعدان يا حكيم الحي و لقمانِه .

سعدان :  أنا كاتب عمومي فقير .

المقدم : أنت عقله المفكر أليس كذلك؟

المقدم : وأنت يا رضوان؟ يا أيها العامل في البذلة الزرقاء أنت ساعد الحي, ساعده الأيمن و الأيسر كذلك .

رضوان: كلنا في الحي سواعد.

  فهي بذلك لغة موحية إلى الواقع, حيث تعكس الواقع كما هو و يظهر ذلك في المشهد الحواري الآتي :

المقدم : ( للرجلين ) اطرقا هذه  الأبواب أريد أن أكلم أصحابها بسرعة .

العون 1 : افتحوا الأبواب افتحوا المقدم يريدكم في أمر هام .

العون 2 :  حمدان افتح الباب يا حمدان.

هي لغة يتخللها حذف و فراغ و يتضح ذلك في المشهد الحواري الآتي :

ابن الرومي :  و أي شيء أتي بك يا أشعب ... فقط؟

جوهرة : ( تقلدها ) حبابة ...

حبابة : عريب أنت قصر بلا أبواب                                                                                                                                      

5-  الفضاء المسرحي :

   يبدو من أول وهلة أن الفضاء المكاني الذي تدور في الأحداث هو خشبة المسرح (الركح ) ,وهي المكان الرئيس في النص المسرحي, ولعل ما يؤكد ذلك هو المشهد الحواري الآتي من بقعة ضوء متحرك, يكشف عن رجل متحرك يخترق صفوف الجمهور يجري نحو الخشبة  .

  وهنا تكمن وظيفة الخشبة, باعتبارها تمثل المجال الذي يُجرى فيها الحوار, و يتحرك فيها الممثلون .     

    أما فضاء الزمن؛ فيتثمل في تداخل زمن الماضي بزمن الحاضر, ومن المؤشرات الدالة على ذلك العنوان , وهو "ابن الرومي في مدن الصفيح" فرَبْطُ ابن الرومي الذي عاش في القرن الثاني للهجرة في ظروف لم تعرف مدن قصديرية, بزمن حديث يتجلى في دور القصدير ومدن الصفيح, يبرز تلك المفارقة الدلالية المرتبطة بإنسان يعيش حياة الفقر والانكماش والخوف والتكسب بزمن ومكان معاصرين هو المدينة بأحيائها القصديرية الصفيحية , والتي تشخص ذلك التفاوت الطبقي والصراع الاجتماعي المتجسد في افتقار الناس إلى أبسط الحقوق والحاجيات.

 

   III-    القراءة التركيبية للمؤلف :

تعد ”ابن الرومي في مدن الصفيح" لكاتبها عبد الكريم برشيد من النماذج الدرامية والنصوص المسرحية فهي استطاعت أن تعبر بكل وضوح وجلاء عن النظرية الاحتفالية باعتبارها بديلا للمسرح الغربي الأرسطي، كما أن هذا النص الاحتفالي يشكل مرحلة مهمة في تأصيل المسرح العربي وتأسيسه وجعله ينفتح على عوالم جديدة وإعطائه نفسا للتجريب والإبداع مع التركيز على المحافظة على الهوية العربية من خلال الاحتفال الجماعي وأشكاله المختلفة.

 



 

 

 

 

author-img
مدونة مثابر للتربية والتعليم،دروس،تلخيص للمقررات، مراجعة ودعم، كل ما له علاقة بالديداكتيك والبيداغوجيات التربوية،تمارين،امتحانات جهوية و وطنية...

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent