👈👈تقديم:
من خلال هذا التقرير سأحاول قدر الإمكان أن أبين بعض المعالم الفنية والدلالية،لنص"المباءة"الذي ينتمي إلى النوع الروائي ،وهو فن قصصي مطول تغلب فيه تقنية السرد على الحوار، ويمكن تعريف الرواية كالتالي:"جنس أدبي حديث النشأة وهي نص نثري تخيلي سردي واقعي غالبا يدور حول شخصيات متورطة في حدث مهم وهي تمثيل للحياة والتجربة واكتساب المعرفة" ،وسأتبع الخطوات التالية:
أولا:العتبات
1-صورة الغلاف
صورة الغلاف:صورة مضببة لمبنى متواضع مطليا بالأبيض بباب واحد ونافذة واحدة كلاهما ضيقان،ينعكس المبنى إلى لأسفل فيما يشبه البركة،ويبدو البناء معزولا وحده مع ملحقاته المماثلة بين البركة وأدغال غابوية موجودة في الخلفية.فهل لهذا المكان الغامض الموحش علاقة ما بأحداث الرواية؟
2-المؤلف
هوالروائي المغربي محمد عزالدين التازي من رواد رواية الطليعة في أدبنا المغربي المعاصر، وذلك بمجموعاته القصصية ورواياته التجريبية ،ولد بمدينة "فاس سنة 1948م، وتلقى تعليمه الابتدائي ب "المدرسة الأميرية" ، إحدى مدارس الحركة الوطنية، ثم انتقل للدراسة في ثانوية القرويين،فحصل على البكالوريا سنة1967 والتحق بكلية الآداب بفاس التي جعلته يلتقي مع أساتذة حداثيين كمحمد برادة وحسن المنيعي وأحمد يبوري،ومع جيل جديد من الطلبة المبدعين آنذاك،ومن بينهم محمد بنيس وأحمد المديني ومحمد بن طلحة وغيرهم ممن رسخوا اليوم في الأدب المغربي تجربة الامتداد والتحول"المباءة ص15
"وبدء الكتابة والنشروهوتلميذ بالثانوي،فنشر أول نص له سنة 1966"ويشتغل حاليا أستاذا للتعليم العالي بالمدرسة العليا للأساتذة بتطوان ومن أعماله الروائية المنشورة:رحيل البحر،خفق الأجنحة،زهرةالآس(وهي ثلاثية صدرت سنة2003)......." وللكاتب مساهمات في مجال الدراسات الأدبية أيضا، وحاز على جائزة المغرب للكتاب سنة 1997م ، بعد أن حاز على جائزة فاس للثقافة والإعلام سنة 1996م.
3-عتبة العنوان
المباءة لغة:وبأ وباءً ووباءة وبئت الأرض فهي موبوءة أي أصابها الوباء"والمباءة معطن القوم حيث تناخ الإبل ويستعمل للغنم أيضا،وهي عبارة عن منزل بصفة عامة،فهو منزل القوم في كل موضع،إن مدلول(المباءة)من الناحية المعجمية لا علاقة له بالوباء كما هو مفهوم في الرواية.وقد كان من الممكن اختيار كلمة "الو باءة"بدل الأولى."مقاربات منهجية للنص الروائي والمسرحي"ص91. فما علاقة العنوان بالرواية؟
ثانيا:تتبع الأحداث
1-المتن الحكائي أو القصصي:
تحكي الرواية حياة أسرة مغربية،يحتل فيها مصير الأب مركز الصدارة الذي اشتغل مدة سبع عشرة سنة مديرا للسجن المدني بفاس،ويعيل أسرة من أربعة أفراد،ويسكنون داخل السجن المكان الموبوء المميت الذي ينفر منه منير،هذا الأخير غير مسار الأسرة ككل بعد غيبة طويلة، ورجوعه منهوك القوى جراء التعذيب،وعدم رضا الأب بالوضع فسافر إلى الرباط للتنديد بمصادرة حقوق الإنسان،ليرجع منها مختل التوازن النفسي والعقلي بسبب مطاردة "عيشة قنديشة" له،وتحول الأسرة إلى سكن قديم بجوار خال رقية زوجة الورداني ،وانسلاخ هذا الأخير عن العالم الموبوء ،ليصنع عالما خاصا به وبالتالي العيش مع شعب من القطط في ضريح سيدي بوغالب.وتشتمل الرواية على ثلاثة أقسام رئيسة وهي
في بداية الفصل الأول: (الضريح والمقبرة) يقتبس الكاتب من الصوفي ابن ضربان الشرياقي ويتحدث عن الإنسان العارف ،ويعقبه بكلام الشخصية الرئيسة"قاسم الورداني"ثم بمقولة فلسفية لنيتشه من كتابه"هكذا تكلم زرادشت"ويحتل فيها مصير الأب قاسم الورداني مركز الصدارة،وينفرد بالكلام،ويرسم ارتباطه بالحروف وتشكيلها بإزميله على رخام شاهدات القبور.ويتميز الأب بالانقسام الذاتي وفقدان الذاكرة تارة ويقظتها تارة أخرى.
ويستهل الفصل الثاني: (السجن) بمقتبس فلسفي لنيتشه ،وهذا القسم مخصص لحديث قاسم وزوجته رقية وأبنيه منير ومنيرة بحيث انفردت كل شخصية بكلامها، كما يتبين من خلال الحوار الداخلي ملامح حياة قاسم الذي اشتغل لمدة 17مديرا لأحد السجون بمدينة فاس،بعد أن خاض حروبا في الهند الصينية وله عائلة،ثم التحول الذي طرأ على حياة الأسرة بعد اعتقال منير،وتهديد منيرة،وذهاب الأب إلى الرباط للتنديد بمصادرة حقوق الإنسان،ليعود بعد ذلك وقد أصيب بالجنون ظنا منه أن "عيشة قنديشة" تطارده،وإبعاد الأسرة من مقرها داخل السجن المدني بمدينة فاس،والانتقال إلى دار قديمة حيث خال رقية،وعيش قاسم في الضريح مع شعب من القطط حيث انسلخ عن العالم الموبوء،الخاص بالموتى والمجانين،والنقش على اللوحات التي توضع على القبور.
الفصل الثالث: (المقبرة والضريح):ويفتتحه بمقولة لنيتشه،والأحداث تبتدئ بظهور الوباء في مدينة فاس،المنتشر بين الجميع،ولا يفلت منه سوى قاسم رغم اللوثة (الخبل)التي بدا أنها لم تفارقه حتى آخر الرواية والالتقاء مع زوجته وابنته والتعريف بنفسه.
2-الرهان
إبراز الحالة المأساوية التي بلغها الواقع في مدينة فاس على كل الأصعدة:الأسرية والاجتماعية والسياسية والنفسية....أما انتشار المرض فقد كان له دور في تعميق الواقع المأساوي.
3-المغزى
المغزى الذي يبدو من خلال تتبع أحداث الرواية، هوالاحتجاج على الواقع المزري ،والتحسر على قيمه الإيجابية، فالروائي يحاول البحث عن قيم بديلة ممكنة من أجل غد أفضل.
ثالثا:جرد القوى الفاعلة
أ-الشخصيات الرئيسة:ومن الطبيعي أن نبتدئ بها وهي:
1-قاسم الورداني:وتتميز بحضور دائم في مجموع أقسام الرواية،وتنفرد بالاهتمام المركزي في القسمين:(الأول-الثالث)،ومن خصائصها:
شخصية غريبة الأطوار فلا هي بالسوية ولا بالمخبولة.
عين العقل:ينقش على الرخام ويطوع الحرف ويرسم المعاني والدلالات.
2- منير:شخصية متقلبة القناعات تفتقد إلى كثير من التماسك الذاتي،انضم إلى تنظيم طلابي ماركسي،وتم اختطافه وعذب فبدا أنه فقد قسطا من كرامته وثقته بنفسه،لذا قطع صلته على الفور بالتنظيم الطلابي وانضم إلى تنظيم أصولي مناقض للأول.ومحاولته لقتل أبيه،ليختفي مرة أخرى ليعود إلى المنزل بحالة أسوأ وعجزه عن القيام بوظائفه الطبيعية.
3- منيرة:شخصية أقل أهمية من السابقتين وتمثل الإنسان الواقعي الذي يسعى إلى البحث عن العمل والاستقرار بعيدا عن عالم السياسة،وقد أنيط لها من قبل الروائي ،دور بلورة موقف الرواية الإيديولوجي ذي التوجه اليساري الديمقراطي دون أن تكون منخرطة فيه ويكمن دورها داخل المتن في:
- مساعدة منير في استقبال"الرفاق"المسجونين.
- الإعجاب بشخصية المفكر المهدي بن بركة .
4- رقية زوجة قاسم الورداني:دورها باهت في النص،مع ذلك فهي تمثل الأمومة النموذجية المميزة بالتضحية ورعاية الأبناء والإخلاص التام للزوج.
ب- الشخصيات الثانوية:
-با ابراهيم عون السجن.
-التهامي مقدم الضريح ويمثل الإنسان النفعي.
-سي الهاشمي.
-خال رقية.
-ميمونة.
-نعيمة.
رابعا:بنيات النص السردي
أ-البنية السردية: فهو زمن منحرف دائري يتخلله تداخل وتقاطع قائم على تقنيات:الاسترجاع والاستباق والحذف، فهناك تكسير زمني" ويعتبر مظهرا من مظاهر جمالية الكتابة الروائية والسردية"، وكذا الإحساس بالتشويق بمعنى إن زمن السرد وترتيب الأحداث فيه كالآتي
وضعية البداية:تطويع الإزميل والنقش على شاهدات القبور،والعيش مع شعب من القطط.
وضعية التحول:اعتقال منير وسفر قاسم إلى الرباط ورجوعه مجنونا.
وضعية النهاية: التقاء قاسم مع زوجته"رقية، أنا قاسم"ص144.
فالملاحظ أن الترتيب الزمني الطبيعي للقصة نجده هكذا: الفصل الثاني"السجن" ثم الفصل الأول"الضريح والمقبرة" فالفصل الأخير"المقبرة والضريح"،فالرواية ذات معمار ثلاثي دائري مغلق بشكل حلزوني،يبتدئ بالضريح وينتهي إليه عبر فضاء السجن أي من فضاء الموت إلى نفس الفضاء عبر القمع والتعذيب والتنكيل ومصادرة الحقوق وحرية التعبير.
ب-الرؤية السردية:
حيث بدأت الرواية بالرؤية المنولوجية(الرؤية مع) في جزئها الأول وانتهت بها في الفصل الأخير باستخدام ضمير المتكلم.كما نجد الرؤية من الخلف أحيانا في الفصلين الأول والثالث،لكن لم تأثر بشكل كبير على مسار السرد،ثم "رؤية حوارية" على حد تعبير باختين في القسم الثاني إذ "لا تعدو أن تكون مسألة شكلية من رتابة السرد الذاتية.
ج-البنية المكانية:
وتزخر الرواية بالأمكنة المتعددة، ما جعل فضاءها متنوعا على المستويين الفني والدلالي(الضريح-المقبرة-السجن-المدينة...).
د-الأسلوب:
وقد استخدم الكاتب ”اللغة الشعرية“ وتتجلى في شكل حوار يقيمه قاسم مع نفسه في القسمين الأول والثاني، ودورها هي "الإقناع ببلاغة العبارة"ومثال ذلك:(...كتابي مفتوح لا يبلله المطر،ولاتبهت كلماته حرارة الشمس...)"المباءة"ص19،كما استعمل ”التهجين اللغوي“(الدارجة المغربية)“يا لالة ها هو مول القطوط....“)نفسه ص46،ونلاحظ أن الرواية حافلة بالتعدد اللغوي“السجلات اللغوية“،فالأب يستحضر ذكريات الماضي وأيام النضال،أما شخصية منيرة فتعيد إنتاج هذاالقاموس من جديدعلى حد تعبير بيير بورديو،في حين نجد منير يزاوج بين قاموس الفكرالثوري الإشتراكي وقاموس الحركات الإسلامية باعتباره مناقض للفكر الأول.
خاتمة:
تعتبرالمباءة رواية سياسية ذات بعد انتقادي لمجتمع تتعدد مشاكله الاجتماعية والأسرية ،ويطغى فيه الظلم والاحتيال،لذا ترسم أحداثها معالم المآسي الفردية والجماعية،ويذكرنا عنوان الرواية"المباءة" برواية "الطاعون"لألبير كامو،و رواية"المسخ"لكافكا ،فهناك تفاعل نصي واشتقاق تناصي وطبيعة كتابتها التي تخضع لتداخل الوقائع واختلاط الحاضر بالماضي
فالمباءة رواية تجريبية ذات بعد إيديولوجي،أرادت فضح بعض الظواهر الاجتماعية المشينة،التي تفاقمت نتيجة انحراف سياسي وفساد اجتماعي(البعد الاجتماعي)، تمثل في اعتماد السلطة على التيار الأصولي التوجيهي ،وعجز السلطة عن حماية الأفراد من الاختطاف والتعذيب،ثم الخلل العقلي والانقسام الذاتي (البعد النفسي ،الخرافي ،الأسطوري) المتمثل في"عيشة قديشة" كامرأة شريرة حسب الذاكرة الشعبية المغربية،لإبراز المآسي الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع.
المراجع المعتمدة:
1-رواية"المباءة"محمد عز الدين التازي.
2-سلسلة المختار في تحليل المؤلفات"مقاربات منهجية للنص الروائي والمسرحي"تأليف:سعيد يقطين-محمد الداهي-حميد الحميداني.
3-"ديداكتيك اللغة العربية والمقاربة بالكفايات:بالسلك الثانوي التأهليي (النظرية والتطبيق)"تقديم الدكتور محمد الدريج.
4-"مكونات الخطاب الروائي في أعمال محمد عز الدين التازي"ص55-56.
5-التخييل والعالم في روايات محمد عز الدين التازي في نقد التجربة الروائية"ص17-18.
6-" معجم مصطلحات نقد الرواية"لطيف الزيتوني/ص99.